KnE Engineering | Postmodern Urban and Regional Planning in Iraq | pages: 343–351

and
and

1. مقدمة

لقد تكرست اليوم تلك النظرة التي ترى بان الرياضيات وفروعها لا زالت إحدى أسس الحضارة البشرية ذات المنزلة الرفيعة التي جاءتها من خلال قدرتها على إعطاء جملة من المفاهيم التي تساعد على فهم حركات ومكونات الوجود وجعلها اقرب إلى الحالة المدركة. ولها السبب اتخذت الرياضيات وأساليبها الكمية منزلتها السامية بين العلوم منذ أقدم الأزمنة وظلت واحدة من أعظم منجزات العقل البشري ودليلا" ناصعا على ذكائه وقدرته اللامحدودة. وبالرغم من هذه المنزلة التي اختصت بها الرياضيات فإنها ظلت من أهم الفعاليات المتطورة للكائن البشري وأكثرها إثارة وتحد من خلال قدرتها النظرية على استيعاب أفاق التطبيق واستنباطها للطرق والوسائل التي من شانها حل العديد من المشاكل وصولا الى النظام والكمال الذي يعشقه العقل البشري. واذا كان البعض يذهب الى وضع حد فاصل بين الرياضيات البحته pure mathematic والرياضيات التطبيقية (وهذا ما لا ينكر في بعض الموضوعات التي ظلت تنتمي الى الجانب الاول) فان هذا الحد وبحكم التطبيق العملي الفاعل للرياضيات اصبح غير واضح اذ ان المادة العلمية في كلا الموضوعين كثيرا ما تتداخل فيما بينها لذا فمن الاجدر ان يكون للرياضيين خبرة من الناحيتين البحتية والتطبيقية وهذا ما حدث ويحدث الان, حيث استمر الموضوعان في مسيرة متوازنة بل واصبح الالمام في احد الموضوعين دون الاخر غير ممكن لان التخصص المعتدل في الموضوعين امر شاق. اذ يجب على الرياضين التطبيقيين بشكل عام والقياسيين بشكل خاص محاولة معرفة ما يجري على الحدود مع الجانب الاخر بغية التثبت من المحاولات التطبيقية لنتاج الجانب الاخر

فرضية البحث

يفترض البحث انة قد ان الاوان للاخذ بمبدء التعقيد في استخدام النمذجة الرياضية كحدث علمي مواكب لما بعد الحداثة يفضي الى الالمام بجميع جوانب المشاكل المراد معالجتها دون اغفال لديناميكية عواملها المؤثرة

هدف البحث

ياتي هذا البحث من اجل اقرار اهمية التحول في مجال النمذجة الرياضية من مبدا التجريد Abstraction الذي لازم فترة الحداثة Modernity الى النمذجة الرياضية التعقيدية complexity models التي تقدم نماذج رياضية ديناميكية تتفاعل فيها عدة عناصر ويلتقي فيها ويتشابك العديد من المستويات المتعلقة بالنظم في ظل تداخل الظواهر ومن بينها ظواهر التخطيط العمراني

2. الحداثة والنمذجة الرياضية التجريدية

معلوم ان مفهوم الحداثة Modernity اخذ مكانته في الفكر المعاصر نهاية القرن السادس عشر وبعد انتهاء فترة العصور الوسطى وتفكك الثقافة الدينية وضهور النزعة ا لانفصالية عنه والثقافة القائمة على العقلانية (2) والذي من خلاله صار ينظر الى- سيرورة الأشياء- بعد آن كان ينظر إلى جوهرها رغم انه فكر ينطوي على كثير من التعقيد لارتباطه بحقول معرفية عديدة واستخدامه في مجالات مختلفة توازي في معناها مسيرة الحضارة الغربية الحديثة وديناميكية التحولات البنيوية في مجالاتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والعمرانية المختلفة التي اجتاحت أوربا وانتقلت إلى أصقاع عالمية أخرى مع حركاتها الاستكشافية والاستعمارية في ذات الوقت الذي شهدت فيه هذه القارة ثورة علمية وتقنية رافقت الثورة الصناعية التي كان أوج عنفوانها نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين والتي ركزت على بنيان الانتاج المادي والمعرفة الثقافية والتقنية بل ان مقومات الحداثة كانت ثلاثة هي-تقدم علمي تقني مستمر يقوم على العلم التجريبي-وسلوك ذو نزعة انتاجية واسعة تتخطى الحدود التقليدية لمنظومة العمل والانتاج القديمة تستند على تقسيم العمل الانتاجي التخصصي-اضافة الى نهضة فكرية اجتماعية - سياسية في دوائر الفرد والمجتمع ادت الى الاعتراف بقدرات الانسان الذهنية وحددت حقوقه وواجباته اي انم مبدئ الذاتية Subjectivity كان هو القاعدة الاساسية لمفهوم الحداثة. اي ان الانسان اصبح يستمد يقينة من ذاتة وليس من عقيدة او سلطة.وكانت فلسفة الحداثة هذة اسست لمبدا العقلانية Rationality الذي جاء به (لابتننز1698) الذي صرح بان - لكل شيء سبب معقول (3) لتفتح هذة المقولة اندفاعا بشريا علمي نحو معرفة اسرار الكون وليصبح العلم هو الموجة الذي يقود الفلسفة العلمية الحديثة بوصفة معرفة مخصوصة تتميز عن بقية المعارف بموضوعيتها ثم بمنهجها الصارم وبيقينية نتائجها. ومن هنا صار هناك توافق بين العلم والفلسفة حيث: العلم-معرفة عقلية موضوعية هدفها عقلنة الواقع موضوعيا (4). اما الفلسفة- فهي معرفة عقلية ذاتية هدفها عقلنة الواقع ذاتيا وبذلك فان الاثنان يشتركان بمفردة العقلنة Rationality التي تعني تمثيل مجرد للواقع من اجل تبسيطه فكانت مبادرة الرياضيات التي اخذت على عاتقها (وتزامنا مع معطيات الحداثة العلمية والنهضوية) الضلوع في تقديم فن النموذج المبسط للعلاقات الكونية السببية الواقعية من خلال الرموز والصور القادرة على تمثيل الظواهر وفق علاقاتها السببية. بمعنى ان العلم صار يمثل حدوث الظاهرة (y) بسبب فاعلية الظاهرة (X) وكانه بقول بل يقينا ذلك انy f(x)

3. التمثيل المجرد الفلسفي للظواهر

اما التمثيل المجرد الفلسفي للظواهر فقد ظل تمثيلا صوريا يستخدم النص ومع ذلك فان المفاضلة بين التمثيل العلمي والفلسفي لم يكن قائما لان كلاهما يقدم - نموذجا مبسطا- لظواهر الكون. ولقد كانت هذة المقاربة الفكرية بين العلم والقلسفة المستندة على فكرة الحداثة في تفسير العلاقات السببية بين الظواهر مدعاة لقيام - العلم المنمذج - سواء في الاقتصاد او الهندسة او العلوم الطبيعية التي صارت الرياضيات تمدها بالرموز والعلاقات الرياضية والاشكال والرسوم الهندسية الممثلة لها.ومن هنا كانت بداية النمذجة الرياضية والاساليب الهندسية والكمية المجردة كوليد علمي للحداثة وليشاع مفهوم النمذجة الرياضية في اغلب العلوم حيث صار مطلب العلم المنمذج النجاعة واليقينية، ورغم ان الاستيعاب الذهني لافاق التطبيقات العلمية لاسس الرياضيات النظرية العالية لم يكن بمتناول البحث والتداول كليا لدى الكثير من ذوي الاهتمامات الرياضية كالمهندسين والاقتصاديين القياسيين والمخططين المكانيين الذين صار يقع على عاتقهم العبء الاول في الافهام وتنمية الادراك لهذا الجانب المهم من العلوم الاساسية لذلك اصبح لاغنى من الادراك للوسائل واستباط الطرق التي من شانها ان تشارك في حل العديد من المشاكل والمعضلات وتوفر الجهد والمال الكثير بعد ان تم الاخذ بمسار بالنمذجة الرياضية ولعل التفكير باحد هذه الافاق يوضح كيف ان المعادلات الخطية والانظمة الرياض (الخطية واللاخطية) اصبحت الهيكل الاساسي لبناء صرح العلوم الطبيعية عند توظيفها لادراك وتفسير الانظمة الطبيعية وصولا الى ادراك اعمق واسهل للكون الذي نعيش فيه، ومع استمرار التباطؤ في الاستيعاب الذهني لافاق التطبيق فلم يكن يستغربه الرياضيون باعتبار ان لديهم حقيقة توضح بان الانجازات النظرية في تطبيقها والاستفادة منها لاتتم الا بعد مرور حقبة طويلة من الزمن (5).ولقد كانت ثلاثة قرون كفيلة بان ياخذ التطبيق ناصية التقدم العلمي في العالم المعاصر الذي نشأ وترعرع بفعل تطبيق الرياضيات العالمية التي بدأت اولا" حبرا على الورق لتصبح نظريات يفهم من خلالها الكون كما هي (النظرية النسبية. لأينشتاين) التي سارت متخطية وضعها (النظري) لتأخذ شكلها (التجريبي) ولتصبح (أنموذجا" رياضيا) يمكن تطبيقه على مختلف الظواهر الطبيعية والصناعية بل لتكون اسلوبا تطبيقيا يستخدم لغرض التعرف وادراك افضل الصيغ التي يمكن بواسطتها التنبؤ بتصرف الظواهر تحت ظروف معينة ومثل ذلك جرى الكثير من الاساليب التي ولدت في كنف الرياضيات البحتة وصار يمكن من خلالها التحليل Analysis والتكهن Forecasting بالعديد من الظواهر والمتغيرات الهامة وبدرجة كبيرة من الدقة حتى احتلت هذه الطريقة (طريقة النمذجة Modeling) وعن جدارة المركز الثالث في تطبيقات البحث العلمي بكافة اختصاصاته يوازي بأهميته اتجاه (النظرية والتجربة THEORY & PRACTICE)) حيث اخذت مكانتها السامية في التوصيف وتحليل النتائج العلمية ويرجع الفضل الهائل في هذا التطور الى جملة اسباب اهمها اعتماد اساليب التحليل العددي Numerical analysis وتطور استخدام الحاسبات الالكترونية في البحث والتحليل بشكل عام اضافة الى قدرة المنمذجين على تحويل العديد من النماذج الرياضية التحديدية Deterministic الى نماذج احتمالية Probabilistic حتى في العلوم الصرفة والذي عد منهجا متطورا شكل بحق ثورة علمية في مجال العلوم ليس الرياضية فحسب بل في مجال العلوم الصرفة والذي بموجبه اصبح ليس من الضروري جدا اعطاء موضع محدد للأشياء بل بالإمكان ايجاد توزيعات احتمالية لها - كالنظرية النيوتنية Newton theory (الخاصة بتحديد الاجرام السماوية وحركة الكواكب السيارة) التي تم تحويلها من وضعها النظري الى قانون تجريبي يمكن ان يستدل من خلاله الى تنبؤات اخرى لمواقع اجرام سماوية استنادا الى مواقع اجرام سماوية محددة مسبقا.كذلك ما احدثته نظرية الكم quantum mechanics التي تشكل اكثر النماذج التحديدية في مجال العلوم الصرفة وضوحا في تحولها الى نماذج احتمالية تم بموجبها تحديد موقع اضافية لمواقع الاجسام والذرات بعد ان كان الامر يتطلب ايجاد مواقع محدد. بل وجرى محاكاة كثيرة من النماذج الاحتمالية التي اصبح من اليسر تطبيقها ليس في العلوم الصرفة بل وحتى الانسانية منها كالاقتصاد والجغرافية والتخطيط الحضري والاقليمي. وهكذا. اذ كان التطور العلمي قد سمح بإيجاد انموذج رياضي model mathematical لوصف اخطر الظواهر الطبيعية تفسيرا وتحليل سلوكها بناء على ما هو متوفر من مشاهدات فهذا يعني ان الامر فيه من المرونة ما يسمح لبناء نماذج رياضية للكثير من الظواهر الطبيعية في العلوم الاجتماعية كالإدارة والاقتصاد والهندسة والعلوم المكانية عامة وعلوم التخطيط الحضري والاقليمي خاصة فنجد ان مخططي المدن قد اعتمدوا مثلا العديد من النماذج الرياضية لتفسير الظواهر المختلفة التي تندرج ضمن السياق الحضري والاجتماعي وعلى اساسا زماني ومكاني فكانت هناك النماذج البنيوية ونماذج الأمثلية والتي اشتق منها نماذج اكثر شمولية Comprehensive تتناول عدد كبير من الانشطة الحضرية والتي تسمى بالنماذج الهجينة Hybrid Models التي ربما لا يشكل الخطأ الجزئي في نتائجها خطورة كبيرة جدا تصل الى مرتبة تسيير حركة الكون واجرامه بناء على مواقع احتمالية او جدتها الصيغة الرياضية التجريبية لنظرية نيوتن بموجب تحويلها من وضعها التحديدي الصرف الى وضعها الاحتمالي استنادا الى نظرية الكم المشار اليها.

4. ابعاد بناء النماذج الرياضية

ان هذه التطورات وما تلاها من امكانيات تطبيق جعل العلماء الرياضيون بشكل عام والقياسيون بشكل خاص يؤمنون ايمانا جازما في امكانية التفسير للظواهر الكونية ومختلف اوجه النشاط الاقتصادي والاجتماعي والعمراني باسلوب رياضي يعتمد على النماذج والاساليب الرياضية من خلال قدرة هذا الاساليب على تحليل اية ظاهرة الى مجموعة العوامل المتداخلة والمتفاعلة ثم انتخاب الجوانب المهمة منها ليصار الى تبسيطها الى الدرجة التي لا تفقد معها صفاتها الاساسية المرحلية المتوقعة ثم صياغته هذه العوامل على شكل مجاميع من المعادلات الرياضية البسيطة والمعقدة التي بمعالجتها ذهنيا او بواسطة الحاسبة الالكترونية Using Computer يمكن الحصول على تصور اقرب الى الوضوح ومقارب لتصرف الظواهر تحت الظروف الواقعية التجريبية المتوقعة او المخطط لها.كونها بنية مركبة تتفاعل فيها ثلاثة ابعاد (6):

  • البعد التركيبي: الذي يتعلق بتحديد الشروط التركيبية لبناء النموذج حيث اول هذة الشروط يتمثل في اعتبار النموذج بنية لشبكة علائقية بين العناصر تتعلق بالبناء والسياق وموضع العناصر وشكلها وانتظامها الذاتي الديناميكى-لذلك فان البنية تشتغل بطريقة مستقلة عن المنظر فهو لايتدخل فعليا بالبنية

  • البعد الدلالي: الذي يتعلق بزمن التجريب.فالبعد الدلالي يتناول العلاقة التفاعلية للنموذج مع النسق الذي يمثلة.وبالتالي يتعلق الامر باعتبار المسافة التي تفصل النموذج عن النسق الذي يمثلة بهدف جعل النموذج اكثر ملائمة.وهذا يعني ان الامر يتعلق بعلاقات العلامة الرمزية التي تم انجازهها بالبعد التركيبي مع الواقع. وبذلك فلنموذج هو وسط بين حقل نظري وحقل تجريبي

  • البعد التداولي: الذي يتعلق في بيان مدى صلاحية النماذج وقابليتها للتوظيف والاستعمال باعتبارها وسيلة للسيطرة والتحكم وبذلك يكشف البعد التداولي عن ارتباط النشاط العلمي بالشاط التقني ليتاكد التحالف بين العلم والمصلحة.

وهذا هو سر نجاح النمذجة الحداثية المجردة لثلاث قرون خلت كان فيها النموذج هو النظرية الموجهة نحو الفعل الذي نريد تحقيقة وصارت النمذجة فعل استراتيجي يتطلب مشاركة من الفاعلين المعنيين بالظواهر المراد معالجتها لذلك فهي شكل جديد من ابداعات المعرفة تكون فية العلاقات بين النظرية والتطبيق بين البحث والفعل يقتضي مسار تعاوني بين باحثين وممارسين من اختصاصات مختلفة مما يؤدي الى توسيع الاشكاليات وسبل حلولها الممكنة.لقد جاء هذا التطور الفعال والسريع لاعتماد النمذجة الرياضية بوصفها:(الفكر المنظم لتحقيق غاية علمية. كون النموذج هو نظرية موجة نحو العمل الذي يراد تحقيقة ولكن بتمثيل ذهني مبسط لشيئ ما ولكيفية اشتغالة).والشعور بأهمية هذا الاتجاه لامرين:

  • قصور الأسلوب الوصفي في التحليل الذي كان يتماشى والطريقة الاستقرائية inductive method في البحث العلمي السابق لعصر الحداثة Modernization والذي ثبت عجزه وعدم قدرته على مواكبة التطورات وتفسير النظريات المستخدمة لتحليل الظواهر التي ازداد تعقيدها مع تطور العلوم التطبيقية - كالاقتصاد والهندسة والاجتماع

  • تبني رواد الحداثة النمذجية ما يسمى بمنطق التجريد Abstract: الذي يتجسد في عزل اثار المتغيرات الهدفية او التاثيرية منطقيا(التابعة والمستقبلة رياضيا) ثم دراسة تفاعلها فيما بينها بشكل يؤدي الى تفهم جوانب المشكلة المطروحة على افتراض بقاء الامور الاخرى على ما هي علية, بالرغم من ان العلاقات المتشابهة والمتعددة ليست على نفس الدرجة من الاهمية خاصة في البعد الاقتصادي او المكاني ذي المتغيرات المتعددة التي لا يمكن لاسلوب التحليل لوصفي مجاراتها بل وحتى في اسلوب التحليل الرياضي البسيط المتماشي مع الطريقة الاستنباطية deductive method. ذلك ان استخدام اسلوب العلاقات الكمية في وصف وتحليل الظواهر الاقليمية اظهر الحاجة الى وجود صياغة اكثر دقة في ربط جميع جوانب المشاكل التي تؤثر فيها عدد كبير من العوامل. فكان من الطبيعي ان يؤدي هذا الامعان في اعتماد طرق حديثة ساهمت في خلقها وتحديد هدفها نوعية الاساليب الكمية ودرجة تعقيدها فكانت الطريقة الاسلوبية systematic method:التي ضمنت جميع اساليب النمذجة وبحوث العمليات التحديدية منها والاحتمالية التي انتجتها مدرسة الحداثة في مجال النمذجة الرياضية بل ان الامر تعدى هذه الحدود الى ما يعرف بالطريقة الادواتية :التي تجعل او تبرز ان لكل نظرية اسلوبها وادواتها الممكنة للاشتقاق والمحاكاة وصولا الى الوضع المستقبلي الانسب للظاهرة,.وهذا ما جعل التطبيقيون للنماذج الرياضية ومنهم المخططون الاقتصاديون والمكانيون اللذين جاءو مع عصر الحداثة ياخذون باساليب التقييس الكمي لمعالجة الموضوعات الاقتصادية التي اصبحت تعرف اليوم بموضوعات بالاقتصاد الكمي. وما الدراسات الاقتصادية القياسية Econometrics والدراسات الكمية في معالجة جوانب التخطيط الحضري والاقليمي والاقتصادي والاجتماعي والعمراني الا دليلا واضحا على قدرة وفاعلية النماذج الرياضية في هذا المجال ولذلك جاء في الورقة الاولية التي قدمت الى مؤتمر رابطة العلم الاقليمي والاوربي المنعقد في اب 1979 لتعرض ثلاث اتجاهات رئيسيىة لتحديد مستقبل العلم الاقليمي وهي (7):

  • الانتباه التام لاستفسارات ومتطلبات خطط العمل الاقليمي ومحاولة صياغتها بنظريات ومفاهم وبديهيات تحدد مسارها نحو الهدف المنشود.

  • الاتجاه نحو نمذجة الانظمة الاقليمية - الاقتصادية والاجتماعية والعمرانية - بشكل واسع وكامل

  • الاقتراب من الحاسوب كاداة فاعلة في انجاز مهام ومتطلبات البحث والتعليم والتطوير المستقبلي للعلم الاقليمي.

وقد اعتمدت خطوطا عريضة كقاعدة فلسفية يتم من خلالها الاقتراب من هذه الاتجاهات بدأت:

اولا بطرح وتبني نظريات ومفاهيم وقانونيات العلم الاقليمي كونها مبادئ نظرية واقعية تقود الى عملية محسومة في معالجة سلوك الانظمة الحضرية والاقليمية باعتبار ان النظريات الاقليمية كغيرها من النظريات تتضمن بديهيات فلسفية متأنية هنا من شخصية المكان وان صياغتها النهائية تأتي بعد سلسلة من الاجراءات والتصحيحات العلمية المنصبة على حقل المكان بوصفه مركز اهتمام العلم الاقليمي الذي صار يدرس القوانين التي تهيمن على تموضع الفعاليات الاقتصادية والاجتماعية والعمرانية في المكان تلك التي تنطلق منها العلاقات المتفاعلة التي تجعل المكان متصفا بالدينامية والتي لا يمكن تصور حدوثها بشكل عشوائي وانما على وفق تفاعلات متبادلة يمكن ان تحدث بشكل مستمر ومتكرر حتى تصبح سمه قانونية في اقليم ما يتصف بتاقلم تلك الظواهر والعلاقات فيما بينها حيث ان ما يميز التاقلم المكاني عن الحقول الاخرى من المعرفة هي تلك العلاقات المكانية التي لا يمكن ادراكها وفهمها الا بحسب قانونيات ونظريات العلاقات الوظيفية المتبادلة فيما بين عناصر الظواهر المكانية سواء كانت تلك الظواهر قائمة على صفة واحدة (اقليم وظيفي متخصص) او مجموعة من الصفات المركبة التي يشكل وجودها في مكان ما اقليما يختص بمثل تلك الظواهر. لتنطلق منها العلاقات المكانية اذا ما خضعت للاهتمام والدراسة لتصبح علما اقليميا يتضمن نظريات ومبادئ اساسية تعالج ابعاد المكان - ولما كان محتوى هذه النظريات يشكل نظاما يديهيا فاذا ما تم وضع تلك النظريات المنطقية بشكل علاقات ثابتة دفعت الى امكانية وضع وصياغة فرضيات مستقبلية عن هذه العلاقات - حيث ان الفرضيات الاختبارية من الممكن ان تشتق من البديهيات بالرغم من كونها تشتق على الاغلب من النظريات المنطقية حيث ان الجزء المهم والمهيمن على العلم الاقليمي يمكن في اختبار الفرضيات عن الوضع المستقبلي لذلك تبدو عملية الاشتقاق ومحاكات بديهيات النظرية في الحالة الاكثر واقعية للخروج بنظرية مستقبلية بدلا من البقاء في دائرة الخيال وتوليد الفرضيات البديلة التي ربما لا تنجح في محاكاة الوضع المستقبلي.وقد وجد الباحثون في مجال العلم الاقليمي ان افضل صياغة قانونية سواء للعلاقات الاقليمية المدروسة بشكل ثابت على وفق النظريات المكانية ام تلك النظريات المشتقة منها والتي تحاكي الوضع المستقبلي المنشود للظواهر الاقليمية يكمن في استخدام (اساليب النمذجة الرياضية) التي يمكنها ان تعبر عن مجمل عناصر العلاقات للظواهر المكانية بشكل معادلات او متباينات او توابع رياضية تلك الاساليب التي صارت تعرف باساليب التحليل الكمي

ثانيا ان الاخذ بمبدا التجريد الذي اعتمدتة مدارس الحداثة والاتيان بكم هائل من اساليب النمذجة الرياضية في معالجات الكثير من الظواهر التطبيقية ومنها المكانية لم يكن هدفا بحد ذاته وانما كاحد الادوات التي تسهل الاشتقاق النظريات ومنها نظريات التخطيط الاقليمي التي سبق وصفها على انها تدرس وتحلل علاقات التموضع المكاني للفعاليات الاقتصادية والاجتماعية والعمرانية في مكان ما. وهذا ياتي متماشيا مع (الاتجاه الثاني) من ورقة العمل المطروحة عام 1979 الذي اكد على ضرورة نمذجة الانظمة المكانية التي بدأها (ايزرد وادجر هوفر وغيرهم) ممن عاصر فترة الحداثة وعملوا بمبادئها وان كان عام 1965 هو البداية الحقيقية لاستخدام النماذج في التخطيط الحضري والاقليمي حيث كانت اولى تلك المحاولات في مجال تخطيط لنقل وكانت النماذج التي اعتمدت على قانون الجاذبية gravity model هي الرائد وربما لا زالت حتى الان هي النماذج الاكثر شيوعا في الاستخدام. ثم تلتها فترة السبعينات التي شهدت تطورا كبيرا في استخدام النماذج والابتعاد الى حد كبير عن الاسلوب الوصفي في التحليل والاستنتاج فبالإضافة الى نماذج الجاذبية التي اطلق عليها جميعا نماذج التفاعل المكاني استخدمت النماذج البرمجة الخطية واساليب المحاكاة والتحليل العاملي، وتمت تطبيقات كثيرة للنماذج بشقيها التحديدي والاحتمالي، حتى اعتبرت فترة السبعينات والثمانيات هي فترة الازدهار في استخدام نماذج لمعاجة مشاكل التنمية المكانيةٍ spatial Development والتنبؤ باحتمالات المستقبل سواء كان ذلك على صعيد توزيع السكان والانشطة الاقتصادية او التغيرات العمرانية

5. مابعد الحداثة والنمذجة الرياضية التعقيدية

رغم ان مدارس العلوم التطبيقية كالهندسة والاقتصاد والاجتماع وباقي العلوم الطبيعية لازالت تنهل من ينابيع النمذجة الرياضية التجريدية الاحتمالية منها او التحديدية او باقي تصنيفاتها الا ان الهجمة الشرسة التي جاءت بها مفاهيم ما بعد الحداثة Postmodernism والتي صارت ترد على مفهوم الذات الانسانية المتماسكة والثابتة وتقدم نقدا قياسيا للحداثة ذات الفهم العقلاني للعلاقات السببية بين الظواهر الاجتماعية والاقتصادية وترفض طموحها لفهم واستيضاح التغيرات العليا او الضيقة للسلوك الانساني بناءا على تفسيرات او نص علائقي جاهز وبالتالي فان رواد ما بعد الحداثة ينتقدون تلك المفاهيم الثابتة "الخطية" للزمن وفي تحديد الفضاء (8) لذلك كان المعماريون اول تلقف النظرية التفكيكية Deconstructionist اذا ان ما بعد الحداثة هي نظرية جاءت اساسا بفعل المناهج التفكيكية او ما بعد البنيوية poststructuralism التي ترد على التماسك والثبات ومثل ذلك خطى الفيزيائيون بالإشارة الى رفض نظرية الفوضى chaos theory للدورية periodicity وما اكتشفته ميكانيكا الكم* تلك التي اشرنا اليها عند ذكر مبدئ التجريد الحداثي. لقد كان هذا الرفض القاسي لما بعد الحداثة الذي اشتد بعد عام 1985 مستندا على الاعتقاد بام مفهوم الحقيقة ذو طابع قسري وان الحقيقة لا تستطيع الدفاع عن نفسها الافي منطق اقصائي كما يقول "جان فرانسوا ليونار" (6) وقد انسحب هذا المبدا على النمذجة الرياضية بوصفها صارت حقائق علمية تصف سلوك الانظمة الثابتة والدينامية حيث دعت الى مغادرتها والذهاب الى النماذج

  • تنص ميكانيكا الكم -بان الكتلة والقوة والعجلة لا يمكن ان تكون محددة سلفا بمعزل عن بعضها البعض

التعقيدية complexity التي صارت الأقرب الى عالمنا المعاصر الذي يتميز بالتعقيد: حيث يشير التعقيد إلى احتواء نسيجي لاشيا مع بعضها مكونة جسم واحد إذا ما تمكنا من فصل مكوناته الأصلية بفعل العمليات التفكيكية فلا يمكن إرجاعه إلى حالته الاصلية التي تتميز بالبساطة والاستقلالية (8). كما هي الحالة عندما لانتمكن من تركيب الحياة وصنع جسم حي من مكوناته الأساسية .ولذلك يوحي تعقيد الاشياء بتشويش الاحداث التي انتجتها لتشابك العناصرالتي انتجتها.فكل ما ينسج مع بعض يكشف عن "كل" يختلف عن تنظيمه وخصوصياته مع مجموع مكوناته الأصلية.ولذلك فان المعرفة وفق المنهج التعقيدي لم تعد تتموضع ضمن منهجية العلم الكلاسيكي التي تسعى الى عزل اجزاء منظومة ما حتى تتمكن من تحليلها بشكل جيد.فدراسة التعقيد لم تعد تتطلب تخصص بالمعارف بل تتطلب اعادة هيكلة هذة المعارف حول ظاهرة اكثر اتساعا من تلك التخصصات التي يدرسها بتنظيم ديناميكي وخصوصية قد تحتاج ادوات مفاهيمية قادرة على التعامل مع المعارف المتفرعة عن اختصاصات علمية مختلفة وهذا ما مكن من فهم مقاربات الاختصاصات المتداخلة والمتعددة لتجاوز التخصص المفرط الذي دفع الى معرقة اكبر حول اشياء اقل لذلك صارت هناك تعاريف عديدة للتعقيد منها:

  • ان التعقيد علم يدرس مجموعة ديناميكية لابتقسيمها الى اجزاء ولكن من خلال متابعة لارتدادات تفاعلات مختلفة الاجزاء فيما بينها حيث ان مجموعة الروابط بين الاجزاء تشير الى انبثاق خاصيات متميزة لايمكن اخضاعها الى تحليل تسلسلي

  • او ببساطة هو علم يكشف عن الهيكلة المعقدة لظواهر تبدو ظاهريا بسيطة (9)

وبذلك تؤدي علوم التعقيد لنمذجات نظرية ديناميكة تتفاعل فيها عدة عناصر يمتزج فيها-الضبط وفقدان التوازن-الضرفية والحتمية- النظام والفوضى- الخلق والهدم- وفي تلك النماذج تلتقي عديد من مستويات التنظيم. وهذا حال عصرنا في القرن الحادي والعشرين. لذلك فان المستقبل لنماذج التعقيد لان التعقيد هو الغاية التي نبحث فيها عن معرفة حجمها وشكلها واتساعها ضمن حزمة التفاعلات بين مختلف الفاعلين وكتلة العلاقات الهائلة وتشابك المستويات المتعلقة بالنظم في ظل تداخل الظواهر.

فعلى سبيل المثال لا الحصر ينبغي الانتقال من النماذج الخطية Linear programming (التجريد) الى النماذج الدينامية اللاخطية Dynamic Non Linear programming (التعقيد) ومن نماذج الانحدار الخطية Regression Models Linear (التجريد) الى النماذج الترددية Recursive Models (التعقيد) ومن نماذج المحاكاة Simulation Models (التجريد) الى النماذج الضبابية Fuzzy Models (التعقيد) ومن نماذج المخططات الشبكية Network analysis (التجريد) الى نماذج الشبكات العصبية Nerves Network (التعقيد)، وهكذا يمكن تلك المقابلات من النماذج التعقيدية تلك في معالجة منظومات التخطيط الحضري والتخطيط المكني والعمراني خصوصا بدلا" من النماذج التجريدية

الخلاصة: اننا اليوم ونحن نعالج مشاكل التخطيط العمراني بشكل خاص ومشاكل التخطيط المكاني عموما يلزمنا حقا اللجوء الى علوم التعقيد لآنها توصلنا الى طرق جديدة للتخطيط والتنظيم المحكم في المنظومات التي لا تعمل خارج نطاق التوازن، فمثلا علينا الانتقال من فهم خطي وميكانيكي للنظم الى فهم ديناميكي اكثر قربا الى الحقائق السكانية والثقافات المجتمعية.

References

1 

شيد, فرانسيس ا"لتحليل العددي" ملخصات شوم دار ماكجروهل للنشر - ترجمة د.محمد علي ألسمري جامعة حلوان مصر 1981.

2 

بهنسي، عفيف " من الحداثة الى ما بعد الحداثة في الفن" دار الكتاب العربي، دمشق، 1997.

3 

الحيدري.إبراهيم "أزمة الحضارة الغربية أزمة حداثة وما بعد الحداثة" لندن 1944 ج1

4 

ألطائري محمد الشيخ يوسف "مقاربات في الحداثة وما بعد الحداثة ". بيروت 1996

5 

العاني محمد " أساليب التحليل الكمي في مجال التخطيط الحضري والإقليمي بين النظرية والتطبيق" إصدار دار صفا للنشر والتوزيع. عمان 2006

6 

الفطناسي.رشيد.واخرون "العلم بين الحقيقة والنمذجة" عن مجموعة رسلان بيروت 2011

7 

العاني. محمد "المصدر رقم 5 أعلاه "

8 

What When How موقع الكتروني" Postmodern theory "ترجمة عمرو خيري

9 

Benkiran.Reda "La compexite.vertijges et Paris le pommir 2002 مترجم عن الباحث من الفرنسية الى العربية

10 

Benkiran.Reda "la complexity la science "du XX1 SIECLE in "pour la science " NO 314 3003 مترجم عن الباحث من الفرنسية الى العربية

References

1 Shade, Francis, Mathematical Analysis, Summaries of Shum Dar McGraw hall Translated by Dr. Mohammed Ali Al-smari Publishing - Helwan University, Egypt p1.

2 Bhanssi, Afif “From Modernity to Postmodernism in Art” Dar al-Kitab al-Arabi, Damascus, 1997, p9.

3 Al-Haidari, "The Crisis of Western Civilization, Crisis of Modernity and Postmodernism", London, 1944, vole, p117.

4 Al Tairi Mohammed, Sheikh Yusuf, "approaches in modernity and postmodernism". Dar al-Tali'ah for Printing and Publishing, Beirut 1996, p. 97

5 Al Ani Mohammed, "Quantitative Analysis Techniques in the Field of Urban and Regional Planning between Theory and Practice", Dar-Safa Publishing and Distribution, Amman, 2006, p.11

6 The Phantasy. Rachid, and others, "Science between Truth and Modeling" Electronic Blog, about the Raslan Group Beirut 2011, ‘’raslan2010.blogspot.com/2011/06/blog-post.html’’

7 Al Ani Mohammed,op.sit.p16

8 What-when-how Translated by - Amr Khairi Since postmodern theory began, August 2015.p 5 – 12

9 Benkirane.Réda "La compexité.vertijges et promesses, le pommir 2002 p143

10 Benkirane. Réda "la complexity la science "du XX1 SIECLE in "pour la science " NO 314, 3003,p233.

FULL TEXT

Statistics

  • Downloads 18
  • Views 386

Navigation

Refbacks



ISSN: 2518-6841