KnE Engineering | Postmodern Urban and Regional Planning in Iraq | pages: 241–258

, , and
, , and

المقدمة

شكلت الأرض محور اهتمام الإنسان في الماضي و الحاضر والمستقبل، ولذا لابد من حسن استعمالها وفق أسس مبنية على التخطيط العلمي السليم من أجل تحقيق التنمية المستدامة للأجيال القادمة، بعيداً عن العشوائية والارتجال، حيث أن تصنيف وتنظيم الأراضي الحضرية يجب ان يتم وفقاً لحاجات السكان وتطلعاتهم، وقد عرفت الأراضي الحضرية طوال فترات التاريخ أنماطاً مختلفة من الاستعمالات وبخاصة السكنية والتجارية والصناعية والطرق والاستعمالات الأخرى.

إذ أنَّ اعتماد التخطيط الحضري يؤكد الحاجة القصوى إلى ضرورة إيجاد عمل تخطيطي متكامل وشامل وبخاصة في مجالات استعمال الأرض الحضرية والوظائف في المدن، ويعد التخطيط الحضري عملية متداخلة يتم من خلالها ربط ودمج المعطيات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والإدارية والقانونية من أجل الخروج بنمط استعمال معين.

ويهتم المخطط الأساس للمدينة الناتج عن عملية تخطيط متدرج من المستوى القومي فالاقليمي والحضري، بدراسة مكونات المدينة من حيث توزيع استعمالات الأرض وتغيراتها المستقبلية، وتوزيع السكان ونموهم والتغييرات التي تحصل لهم، وشبكات الشوارع وأنظمة النقل اللازمة لربط الفعاليات وسهولة الوصول فيما بينها، أي أن المخطط الأساس يعتبر إطار عمل يتعامل مع وحدتي الزمان والمكان لهذه المتغيرات، وبالتالي فان أي تغير في مكونات النسيج الحضري لابد وان ينسجم مع ما حدده المخطط الأساس للمدينة، أما أذا حدث عكس ذلك فان من شانه أن يربك هذا النسيج. هدف البحث الى بحث جوهر الاختلاف بين المخططات الأساسية المعدة مع واقع الحال واسباب عدم تنفيذ هذه المخططات كما خطط لها، بافتراض إنّ آليات التقييم والمراجعة الدورية لتنفيذ المخططات الأساسية معطلة، مما ترتب على ذلك عدم متابعة تنفيذ هذه المخططات، مما يؤدي الى عدم تحقيق المخطط الأساس للاهداف الذي وضعت من اجله.

استعمالات الارض الحضرية

إن أول سؤال يتم طرحه عند الحديث استعمالات الارض الحضرية: ما هي الأرض ؟ هل هي ملك خاص يتم المحافظة عليها من قبل المالك؟ أم هي عنصر من عناصر الإنتاج والخدمات؟ أم هي ملك عام يجب المحافظة عليها للأجيال القادمة؟ حيث إن الأرض مورد طبيعي محدود يزداد الطلب عليها يوما بعد يوم وذلك لتعاظم احتياجات الإنسان، لذلك لا بد من تنظيم استعمالات الأرض وضبطها من اجل تلبية حاجات الناس وتقليل مشاكلهم، وهذا يمكن أن يحدث عن طريق تخطيط استعمالات الأرض.

وتعد الارض اساس كل تنمية ومدخل رئيس لأي عملية انتاجية، ومن ثم فإنَّ النجاح في تخطيط استعمالها يعني خطوات متقدمة لمزيد من الرفاه الاقتصادي والاجتماعي، وان أي خطأ في التعامل مع الارض سيكلف كثيرا وستدفع ثمنه الاجيال الحاضرة والمستقبلية، ويمكن القول ان نجاح كثير من الامم في تحقيق مستويات معيشية عالية مرتبطة بالدرجة الاولى بقدرة هذه الامم ونجاحها في التعامل مع الارض على وفق أحدث الاساليب العلمية تنظيما واستغلالا.

تتمثل الأهداف الأساسية لتخطيط استعمال الارض بما يلي [15,p36]:

  • تقدير الحاجات الحاضرة و المستقبلية للسكان وتقييم قدرة الأرض على توافر هذه الحاجات وإيجاد حلول للمشاكل القائمة و المتوقعة.

  • تحديد ووضع الحلول المناسبة للاستعمالات المتنافسة والناجمة عن التضارب بين المصالح الفردية والمصلحة العامة وكذلك بين مصالح الأجيال الحاضرة و الأجيال المستقبلية (الاستدامة).

  • البحث عن حلول وخيارات مستدامة واختيار الحلول التي تشبع الحاجات القائمة وإدارة وتوجيه عملية تنمية المجتمع.

  • إحداث تغييرات مناسبة ومنع حدوث التغييرات السالبة.

  • تحقيق تخطيط أكثر تقدما ونجاحا وملائما لحاجات السكان ومشاكلهم.

  • الاستفادة من الخبرات والتجارب الدولية المختلفة في هذا المجال.

ويرتبط تحقيق الأهداف الأنفة الذكر بضرورة توافر الإرادة السياسية و القدرة المالية اللازمة لتنفيذ الخطط.

المبادئ الاساسية لتخطيط استعمالات الارض داخل المدينة

تقوم عملية تخطيط استعمال الارض على مبدأين رئيسيين هما [10,p108]:-

مبدأ الاستخدام الافضل

فكل مساحة من الارض لا بد ان تؤدي وظيفة معينة في المدينة لذلك تتحدد وظيفة تخطيط استخدام الارض في تحديد الاستخدام الافضل الذي يحقق منفعة اقتصادية شريطة أن لاينجم عن ذلك آثار سلبية.

مبدأ تعدد الاستخدام

يلجأ المخططون في كثير من الاحيان الى تشجيع تعدد الاستعمالات لمساحة معينة من الارض خصوصاً في الدول ذات المساحة المحدودة، والكثافات السكانية العالية.

الارتباط (الصلة) بين استعمالات الارض (Land Use Affinity)

يمكن فهم الارتباط بين أنماط استعمالات الارض من خلال تبلور الصيغ الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في المدينة، والمؤثرة بصورة مباشرة على شكل التفاعل الوظيفي بين أنماط استعمالات الأرض المختلفة.

فمن خلال فهم نوع الارتباط بين استعمالات الارض وتحديد مواقعها، يمكن فهم كيفية تشكل أنماط استعمالات الأرض، فنجد ان قسم من الفعاليات والنشاطات تتفاعل فيما بينها بقوة، عن طريق ارتباطات وثيقة فيما بينها او مع مؤسسات أخرى، في حين نجد إن القسم الآخر لا توجد بينه وبين بقية الفعاليات أي نوع من علاقات التفاعل او الاحتياج. ويمكن تميز ثلاثة أنواع من الارتباطات (الصلات) بين استعمالات الأرض [18,pp255-260]:

  • الارتباط التنافسي: وهي العلاقة التي تنشا بين الفعاليات التي تتجمع وتتنافس على خدمة سوق واحدة، مثل فعاليات الوظيفة التجارية، او بين فعاليات الوظائف المختلفة والمتنافسة بحسب قدرتها على استغلال الأرض، مثل وظيفتي التجارة والصناعة، ويكون التعامل مع مثل هذه الارتباطات بصورة غير مباشرة، من خلال التحكم بالمتغييرات ذات التأثير المباشر عليها لغرض إضعافها او تقويتها.

  • الارتباط التكميلي: وهنا تكون العلاقة بين وظائف مختلفة لا تعارض فيما بينها، وتقدم خدمات متباينة لسوق واحدة، مثل السكن والخدمات، التجارة والسكن. ويتم التعامل مع هذا النوع من العلاقات من خلال القدرة على ايجاد تناسب فعال بين حجم هذه الوظائف، لكي لا تتحول العلاقة الى صيغة الارتباط التنافسي والبقاء يكون للفعالية القادرة على التنافس.

  • الارتباط التضامني: وهي من العلاقات الاقل شيوعا، ولكن ليس اقل اهمية، وتتم من خلال اعتماد وجود مجموعة فعاليات صغيرة تعمل على خدمة ودعم وظيفة معينة، تعد اساسية، مثل الوظائف التجارية والخدمية والصناعات الخدمية مع الوظيفة السكنية، ويلاحظ امكانية ظهور اكثر من صلة في بعض الحالات ضمن منطقة حضرية واحدة، سبب ذلك يعود الى زيادة عدد المتغييرات وعدم السيطرة على تنظيم المجتمع الحضري في تلك المنطقة.

مفهوم المخطط الاساس

هنالك عدة تعاريف لمفهوم المخطط الأساس (The Master Plan)، فعرف على انه اطار عمل يتعامل مع وحدتي الزمان والمكان بمتغييراتهما التي يعملهما المجتمع، مجتمع المستوطنة وإقليمها أو أقاليمها [3,p133]، والمخطط الأساس هو المرشد للنمو المنظم وتطور كل من الصحة العامة والسلامة وراحة الناس والمجتمع، فهو ينظم العلاقات المعقدة بين استعمالات الارض الحضرية، وهو يضع جدولا لسير ونمو وتطور هذه الاستعمالات، وهو يعكس السياسات والخطط التي بواسطتها يمكن تحقيق الاهداف, وبمعنى اخر فان المخطط الأساس يقود التطور العمراني للمجتمع والبيئة من اجل تحقيق الغايات الاجتماعية والاقتصادية [7,p5].

والمخطط الاساس هو وضع خطة شاملة للمدينة تتحدد فيها جميع الظروف الاقتصادية والاجتماعية والتي من الممكن دراستها باعتبارها تشكل مجموعة كاملة للمنطقة الحضرية (المدينة) وتشمل مجموعة تصاميم لبعض المناطق وللمدينة بشكل عام يشمل التصور المستقبلي للمدينة لفترة زمنية طويلة [11,p37].

وينظر الى المخطط الاساس على انه ستراتيجية أو مجموعة من الستراتيجيات الموضوعة للسيطرة على توجيه نمو المستوطنة الحضرية مع ضمان التوصل الى أكفأ صيغ التوزيع المكاني لسكانها واستعمالات ارضها وتوفير خدماتها على ان تكون من المطاطية بحيث تستوعب ديناميكية الانسان مما يجعل عملية التخطيط الحضري عملية مستمرة تنسجم وطبيعة المدينة المعاصرة [2,p99].

وكذلك ينظر الى المخطط الأساس على انه عبارة عن الخريطة الاساسية التي تمثل تطور المدينة أو انه يمثل مخطط استعمالات الارض [13, p351].

ويوضع المخطط الاساس للسيطرة على أو توجيه نمو المستوطنة المدنية في مراحل المخطط وبطريقة تستوعب طبيعة التغيير الاجتماعي والاقتصادي والحضاري، بما فيه التكنلوجي المتوقع حدوثه في المستوطنة المعنية مما يحقق نوعا من التعايش السليم بين المجتمع والمستوطنة من خلال نجاح الاخيرة في تأدية وتطوير وظائفها وخدماتها الى المستوى الذي يتجاوز الحد الادنى من الكفاءة المطلوبة [2, p99-100].

ويتم اعداد المخطط الأساس لفترة تتراوح من 20 - 30 سنة، وهي أطول فترة يمكن للمخطط ان يبين تصوره لمراحل التطور المستقبلية لاية مدينة، كما انه يتم اعادة النظر فيه خلال فترة تتراوح من 5-10 سنوات، وهذا ما يجعل تنفيذ المخطط الاساس يتم على عدة مراحل، وان اعادة النظر في المخطط الأساس هو نتيجة طبيعية لعملية التطور العلمي والتكنولوجي السريع في مختلف العلوم والتي تطرح باستمرار متغييرات جديدة على مجتمعات المدن ويكون اعادة النظر ايضا بسبب تلبية المتطلبات الجديدة لتكوين مجتمع متجانس ومتنامي اجتماعيا واقتصاديا [12,p9].

ويبين المخطط الاساس الهيكل المستقبلي للمدينة وتغيير استعمالات الارض المستقبلية، وتوقيع الفعاليات والكثافات السكانية في المناطق الحضرية وشبكات الطرق وانظمة النقل اللازمة لربط الفعاليات وسهولة الاتصال فيما بينها، حيث ان وظيفة المخطط الاساس هو تنظيم وتنسيق الخدمات والاستعمالات المختلفة بشكل صحيح يسير مع تطور المدينة وينفذ ببرنامج وسقف زمني محدد. ومن خلال ما ذكر في أعلاه يمكن القول أن المخطط الأساس هو أداة للسيطرة على مسار نمو المدينة وتطورها وتوزيع الفعاليات والانشطة فيها على وفق برنامج زمني يضمن النمو السليم للمدينة والقيام بوظائفها على أكمل وجه.

العوامل المؤثرة في تنفيذ المخطط الأساس

تعتبر المرحلة التي يتم فيها عملية تنفيذ المخططات الاساسية من أصعب المراحل التي يمر بها مخطط المدينة نظرا لوجود عوامل كثيرة تؤثر على تنفيذ المخطط الاساس والتي من أهمها [4,p32]:

  • عدم تكامل المخطط التفصيلي للمخطط الاساس، وقد يكون سبب ذلك، عدم توفر الكادر التخطيطي والتصميمي اللازم لتحضير المخططات التفصيلية المدروسة بعناية في جميع النواحي وبحيث تكون ملائمة مع تطور المدينة وعمرانها، وان التسرع في هذا المجال يؤدي الى سطحية الحلول والمخططات.

  • حصول تغييرات اجتماعية واقتصادية في مجتمع المدينة أثناء فترة تنفيذ المخطط الاساس لم تكن متوقعة ولم تؤخذ في الحسبان سواء كان التغيير سلبيا أم ايجابيا، لذلك يجب ان تتوفر المرونة الكافية لمجابهة حالات كهذه.

  • دخول عوامل تقنية جديدة، تتطلب أو تؤدي الى تغيير في بعض فعاليات المدينة وكيانها أو ادخال فعاليات جديدة.

متطلبات تنفيذ المخطط الأساس

إنّ عملية تنفيذ المخطط الأساس ككل تعتمد بصورة أساسية على تنفيذ المرحلة الأولى ومدى النجاح المتحقق في هذه المرحلة، ولكي يصار الى تنفيذ المرحلة الأولى من المخطط الأساس ومن ثم تنفيذ باقي المراحل فلابد من توفر المتطلبات التالية [3,p148]:

  • توفير المؤسسات الضرورية اللازمة لتنفيذ المخطط الأساس.

  • تحديد أولويات التنفيذ لكل من عناصر المخطط، اي وضع استراتيجية للتنفيذ.

  • تطوير المعايير للمخططات التفصيلية.

  • توفير الملاك القادر على التنفيذ.

  • وضع المخططات التفصيلية للأحياء الحديثة.

  • البدء بمد شبكة الطرق الرئيسية وتحديد وامتلاك مناطق حد المرور وتطوير خطوط المرور الجانبية.

  • برمجة عمليات التنفيذ على شكل خطوات ممكنة الانجاز في كل مرحلة من مراحل المخطط موضحة في خرائط عامة وأساسية Base map وخرائط تفصيلية Subdivision plans تعالج القطاعات واجزاءها.

ولتنفيذ المخطط ككل لابد من تأمين الاتي [5,p28]:

  • ايجاد الأساس القانوني المناسب لتنفيذ المخطط الأساس.

  • وضع القواعد التي تؤمن الرقابة على الإعمار ومراقبة التطور.

  • التخطيط المالي وايجاد المصادر المالية للإعمار بحيث تتضمن تنفيذ المخطط في الوقت المحدد.

  • التحديث المستمر حسب مراحل التنفيذ بكل جوانبها او ما يسمى بالتغذية الاسترجاعية.

التغير في استعمالات الارض ضمن المخطط الأساس

استعمالات الأرض هي علاقات اجتماعية واقتصادية داخل المدينة تنعكس كفعاليات وانشطة مختلفة فأذا تغيرت العلاقات الاجتماعية والاقتصادية يكون هناك حاجة الى تغيير الفعاليات والأنشطة أي تغيير استعمالات الارض. وكذلك تنوع شبكة الطرق في المدينة ووسائل النقل ونتيجة لإنشاء الطرق السريعة للمرور وإقامة المشاريع الجديدة للنقل كالمترو يحدث تغيير في استعمالات ارض المدينة، وتنجذب الفعاليات الاجتماعية والاقتصادية نحوها، وتحصل التغييرات أيضا بسبب عدم أمكانية تنفيذ المخطط الاساس لكون الجهاز الاداري غير كفؤ وكون كلفة التنفيذ عالية جدا وكذلك تغيير العوامل الديموغرافية تسبب في تغيير استعمالات الأرض.

وهناك بعض الاعتبارات التي يجب ان يتم الاهتمام بها في حالة تغيير الاستعمالات وهي [19,p259]:

  • المدى الذي سيؤدي التغيير في الاستعمال الى مشاكل بيئية كتلوث الهواء والماء والضجيج.

  • حجم المرور الذي سينجذب الى المنطقة من جراء التغيير.

  • عدد السكان الذين سيسكنون المنطقة أو الذين سيعملون فيها.

  • حجم الموقع الذي سيتم تبديل الاستعمال فيه.

  • هل ستحدث تطورات أخرى في حالة تغيير أحدى الاستعمالات.

وأي تغيير في استعمالات الارض يجب ان يسبقه مرحلة التخطيط له وأن يتم الأخذ بنظر الاعتبار تأثير هذا التغيير على الاستعمالات المجاورة له.

التغيير العشوائي لاستعمالات الارض

إنّ تغيير استعمالات الأرض هي حالة طبيعية لكون المخطط الأساس ديناميكي يتغيير بتغيير النواحي الاجتماعية والاقتصادية والتكنولوجية وبتغيير سلوك الانسان، على ان يكون هذا التغيير مدروسا وان يتم دراسة تأثير التغييرات في استعمالات الارض على الجوانب المتعددة للمخطط الأساس أي الاستعمالات الاخرى المجاورة للاستعمال الذي سيتم تغييره، بمعنى اخر ان يكون هذا التغيير عشوائيا يؤثر على راحة الانسان لكون التخطيط يهدف الى تحقيق السعادة للانسان ورفاهيته فسياسة الدولة المتبعة للسيطرة على استعمالات الأرض لها دور كبير في منع المالكين وبعض الأشخاص من تغيير استعمالات الأرض حسب مبتغاهم وتفضيلهم للحصول على أعلى ربح ممكن من خلال سياسة تحديد الاستعمالات والسيطرة عليها.

مدينة الهندية

تعد مدينة الهندية مركزا لقضاء الهندية احد الاقضية الثلاث التابعة لمحافظة كربلاء المقدسة، و تضم هذه الاقضية ثلاثة مراكز للاقضية واربعة نواحي، إنّ تاريخ نشوء المدينة وظهورها كتجمع سكاني هو غير محدد على وجه الدقة، وسبب نشوء المدينة يعود لتدفق الماء في شط الهندية، وهو الجدول الذي قام بشقه (آصف الدولة) وزير (محمد شاه الهندي) في أواخر القرن الثامن عشر الميلادي لايصال المياه إلى مدينة النجف، فشق جدولا يأخذ من الضفة اليمنى لنهر الفرات من فوق مدينة بابل بحوالي عشرة كيلومترات، يجري في اتجاه نهر الكوفة القديم، وقد عرف هذا الجدول فيما بعد بنهر الهندية نسبة إلى آصف الدولة الهندي، ومنها جاءت التسمية لهذه المدينة بالهندية. وتشير المعلومات إلى أن قضاء الهندية كان تابعا عند تشكيله من الناحية الإدارية إلى كربلاء أبان الحكم العثماني, وحتى بداية الحكم الملكي, حيث الحق بلواء الحلة واستمر تابعا لها حتى عام 1976 اذ أعيد إلى كربلاء في 1976، وكانت تتبع قضاء الهندية ثلاث نواح, هي (الكفل, أبو غرق, الجدول الغربي) ثم ضمت ناحية الكفل إلى مركز قضاء الحلة, وكذلك الحال بالنسبة لناحية أبو غرق، [10,p138].

التطور المورفولوجي لمنطقة الدراسة وعلاقته باستعمالات الارض

يمكن تحديد خمسة مراحل لمدينة الهندية استنادا الى الاحداث السياسية التي مرت بها المدينة والتي انعكست على نمو المدينة وطبيعة نمطها وبناء المساكن ومواد البناء المستخدمة واستعمالات الارض المختلفة فيها، وهذه المراحل هي:

المرحلة الاولى (1817-1842) م

بدأت هذه المرحلة من حكم الوالي داود باشا وحتى ولاية نجيب باشا، وقد اتصفت المنطقة في الفترة التي تسبق هذه المرحله بانها تخلو من التجمعات السكنية الكثيفة، لاحظ الخريطة (1) التي تبين المرحلة المورفولوجية الاولى لمدينة الهندية. سكنت المنطقة في هذه المرحلة مجاميع متفرقة من الاسر في جانبها الشرقي، واقتصر عملهم على صيد الاسماك والزراعة في مساحات محدودة صغيرة لكون المنطقة مغمورة بمياه الفيضانات، ومنهم من عمل على تقديم الخدمات لزائري المراقد المقدسة في مدينة كربلاء المقدسة من توفير السكن أو نقلهم بواسطة السفن البدائية الى سدة السليمانية الترابي [8,p36]، وكان التجمع السكاني فيها على هيئة قرية صغيرة تبعت الى لواء الحلة اداريا، واستقر في منطقة الطنبي شرق القناة، وكانت قرية غير متجانسة تضم جماعات مختلفة اجتماعيا، ولا يتجاوز عدد مساكنها البسيطة الثلاثين، تتكون في معضمها من الخيام وبعض الصرائف ومحاطة بظهير زراعي من حقول الرز الذي جعلها فيما بعد سوقا تجاريا [7,p150]. سادت انماط الريف على مجتمعها كالسكن في اكواخ عملت من جذوع النخيل وسقفت بالسعف والباريات، وكادت تنعدم طرق المواصلات البرية على محيطها باستثناء الطريق الترابي الشرقي الواصل لمدينة الحلة، وكثرت على طريق القناة الغربي والشمالي في منطقة الهندية البرك والمستنقعات، وفي محيطها الجنوبي بحيرة الهندية. لم يكن مظهر القرية ذا أشكال ونماذج متميزة حضاريا ضمن المخطط المعماري ونظام الشوارع واستعمالات الارض الحضرية، لعدم اهتمام الحكومة بها، ولتعرضها للفيضانات المستمرة، فضلا عن انتشار الاوبئة والامراض الفتاكة التي أدت الى موت اعداد كثيرة من ساكنيها.

fig-1.jpg
خريطة 1
المرحلة المورفولوجية الاولى لمدينة الهندية. المصدر: الباحث بالاعتماد على الصورة الفضائية لمدينة الهندية وباستخدام برنامج ArcGIS 10

المرحلة الثانية (1843-1890) م

تحددت المرحلة من ولاية نجيب باشا وحتى ولاية سري باشا والتي كان من مظهرها بناء الوالي العثماني محمد نجيب باشا قلعتين في مركز الهندية جعل الاولى مقرا للجيش وقيادتة في منطقة الطنبي، والثانية لامير زبيد الشيخ (وادي الشفح) [9,p40]، لاحظ الخريطة (2) التي تبين المرحلة المورفولوجية الثانية لمدينة الهندية. كانت اغلب الموروثات المعمارية في هذه الحقبة ابنية لوظائف ادارية وعسكرية ودينية وتجارية، برز فيها واضحا نمط الحياة الحضرية أكثر من مرحلة النشأة بعد التكوين، واستخدم في بناء بعض الوحدات مواد بناء جديدة تتصف بالثبات وفي تشكيل نماذج معمارية جديدة كالطابوق والجص.

تطورت المدينة مورفولوجيا فيما بعد من حيث الوحدات المعمارية وطراز المساكن وانظمة الشوارع، واصبحت قضاءا من الدرجة الاولى في عام 1870 م [14,p149]. وازدادت مساحات الارض اليابسة في الجانب الغربي من القناة، اذ دفنتها الاسر النازحة اليها بعد ازالة القصب والبردي عنها، واطلق عليها (قصبة طويريج) وقدر عدد المساكن فيها بخمسة وستين مسكننا بنيت اغلبها من الطابوق والطين وبعمارة بسيطة، وبعد اتساع الاراضي السكنية في الجانب الغربي من النهر، نصبت الحكومة العثمانية جسرا خشبيا عائما لربط جانبي النهر الشرقي والغربي ببعضهما وتسهيل العبور بين شارعي الحلة وكربلاء فضلا عن انتقال الاهالي بين الجانبين [16,p2435].

واصبحت المدينة تجمعا حضريا ترتبط بها الانماط العمرانية التي سيطرت على النواحي الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والادارية والثقافية للمناطق التابعة لها ومستقرا ارتفع فيه النمو السكاني، بسبب الزيادة الطبيعية لسكانها وهجرة بعض الافراد من اريافها والمدن القريبة اليها في الربع الاخير من القرن التاسع عشر، كما زادت عملية الزحف الوظيفي الحكومي والتجاري، فأصبحت قضاءا كبيرا تبع له ناحية الكفل، واضافت الخدمات البسيطة في التعليم الخاص والصحة والقضاء تطورا ملحوظا في نمو المدينة نسبيا، واصبح النشاط التجاري فيها يمثل نسبة عالية من العمالة ومركزا لجمع محصول الرز الوارد من مزارع منطقتي الشامية والهندية [9,p44]. وظهرت البلدية في قضاء الهندية في ثمانينات القرن التاسع عشر بعد صدور قانون البلديات عام 1877 م، وبحلول عام 1900 م تحققت هيئات البلدية في نواحيها لتقديم الخدمات [6,p134]. وشيد في المدينة في هذه المرحلة سراي الحكومة، الذي يبعد سبعين مترا غرب القناة، ليكون مقرا لادارة القضاء, وتميزت شوارع المدينة الداخلية باستقامتها وسعتها التي حددتها الدولة بالمشيد عليها، اذ كان للبلدية دور في تخطيطها، فكان شارع الكورنيش الترابي الممتد باستقامة غربي النهر وبطول 600 متر منتظما ومستويا، يقطعه شمالا طريق كربلاء الترابي، ونظم شارعان موازيان للكورنيش جنوب المدينة، في حين لم تستطع البلدية في جنوب المدينة وغربها من السيطرة على المتجاوزين في تنظيم شوارعها، فبقيت الى الان على انحناءاتها وتعرجاتها البعيدة عن المركز.

وشيدت الحكومة العثمانية جامع الهندية الكبير في محلة الكص على مساحة 2400م ولايزال قائما على بنائه القديم، كما قامت الحكومة العثمانية ببناء حماما خاص بجاليتها وموظفيها وقواتها المسلحة مقابل الجسر الخشبي العائم غرب القناة في محلة الكص، وبلغت مساحة المدينة المشيدة حوالي 60 هكتار، كما وزاد عدد سكان قضاء الهندية من 3224 نسمة في عام 1891 م ليبلغ 7405 نسمة في عام 1900م.

fig-2.jpg
خريطة 2
المرحلة المورفولوجية الثانية لمدينة الهندية. المصدر: الباحث بالاعتماد على الصورة الفضائية لمدينة الهندية وباستخدام برنامج ArcGIS 10

المرحلة الثالثة (1891 - 1917) م

تحددت المرحلة من ولاية (حسن رفيق باشا) وحتى الاحتلال البريطاني للعراق، وشهدت المدينة في نهاية القرن التاسع عشر ازدهارا تجاريا حيث ظهرت الحوانيت والمخازن والاسواق، وزادت خلال السنين اللاحقة لتوسع العلاقات التجارية بين المدينة ومحيطها الزراعي [8,p5]، والذي ادى الى زيادة القوى العاملة وزيادة في مساحة المنطقة المعمورة، فأصبح الشارع الغربي الموازي للنهر (الكورنيش) يتصف بأعلى كثافة للاستعمال التجاري، اذ ازدحمت فيه ابنية الخانات فبلغ عددها اثني عشر خانا، وقدر عدد دكاكين المهن الحرة المتخصصة بأكثر من خمسة وستون دكانا، مستفيدة من النهر في نقل بضائعهم ووفرة المنتجات الزراعية منهم واليهم، كما جاور تلك المحلات التجارية شارعان موازيان، تحولا الى سوقين (سوق الهنود) و (السوق الكبير) تخصصت بعضها في التجارة وخاصة بتجارة المفرد حسب تخصصها [9,p59]، لاحظ الخريطة (3) التي تبين المرحلة المورفولوجية الثالثة لمدينة الهندية.

ازدادت مساحة مركز مدينة الهندية تباعا وأصبحت 158 هكتار، بسبب التطور العمراني في اشغال بعض الاراضي الزراعية القريبة من المدينة في السكن والابنية الحكومية، كما زاد عدد السكان بسبب الولادات والمهاجرين اليها، خاصة بعد انجاز سدة الهندية عام 1913 م اذ بلغ عدد نفوس القضاء 4000 نسمة. وكثرت دور السكن التي تجاوز عددها المائتين وابنية الدوائر الحكومية، وبقي طراز بنائها على سابقه (الشرقي)، ومن مظاهر هذا التطور انشاء المجلس البلدي ودار للبلدية على شارع الكورنيش المطل على النهر على بعد 10 م وبعض الابنية البسيطة (دائرتي البريد و المحكمة و وداران للقائممقام والحاكم) على شارع كربلاء والتي حافظت على نمط العمارة العثمانية، وشيد في هذه المرحلة مسجد مستطيل الشكل في مدخل السوق الكبير بمساحة 220 م 2 بالاضافة الى مسجد اخر بُني بنفس المواصفات وهما لازالا قائمان حتى الان.

fig-3.jpg
خريطة 3
المرحلة المورفولوجية الثالثة لمدينة الهندية. المصدر: الباحث بالاعتماد على الصورة الفضائية لمدينة الهندية وباستخدام برنامج ArcGIS 10

المرحلة الرابعة (1917 - 1958) م

امتدت هذه المرحلة من الاحتلال البريطاني للعراق وحتى سقوط المملكة العراقية، واستكمل في هذه المرحلة حفر جدولي بني حسن الموازي لنهر الهندية غربا وجدول الجورجية (الكفل) شرقي النهر، وبنى الاحتلال البريطاني في هذه المرحلة مقرا حكوميا له في مركز الهندية في منطقة الطنبي ييعد 20 م عن يسار نهر الهندية على غرار الطراز الغربي بطابقين [9,p64]، وما زال قائما في الوقت الحاضر بعد ان تغييرت بعض معالمه، واقيم على نفس الطراز بيت لقائممقام الهندية مجاورا له، لاحظ الخريطة (4) التي تبين المرحلة المورفولوجية الرابعة لمدينة الهندية. وبعد تأسيس المملكة العراقية كانت التطورات التي تحصل في البناء الحكومي قليلا قياسا بمدن العراق الاخرى، ومعظم ما تم انجازه من التطور الحضاري كان بسبب اهتمام بعض الميسوريين والاثرياء من سكان المدينة، فقد تحولت احدى المساكن الكبيرة في محلة الكص الى مدرسة ابتدائية للبنات، وبنيت مقابل المدرسة ستة دور حكومية بسيطة، على وفق طراز معماري جديد لاسكان موظفي الدولة، وفي شمال الدور شيدت مستشفى على نفس مواصفات الابنية الحكومية (الطراز الشرقي) بمساحة 3200 م 2 مستطيلة الشكل بنيت من الطابوق والجص وسقفت بالحديد والطابوق (العقادة)، وبنيت على جانب المستشفى الشرقي صيدلية وغرفة للتضميد. بقيت شوارع المدينة وازقتها على حالها غير معبدة وعلى استقامتها واتساعها، ودخلت وسائل النقل الميكانيكية مع الاحتلال البريطاني للعراق، وأسهم حفر الجدولين (بني حسن والجورجية) الموازيين لنهر فرات الهندية في توسيع النقل المائي وسقي الاراضي الزراعية المارين بها، واستأجرت الحكومة بعض الابنية الكبيرة في محلة الكص التي تصلح لدوام المدارس الابتدائية فيها مطلع الحكم الملكي والذي انعدم وجودها في الارياف والنواحي.

وفي نهاية العشرينيات من القرن الماضي وضعت الحكومة بدالة هواتف صغيرة تعمل يدويا في دائرة البريد والبرق بسعة 50 خطا، وانشئت البلدية حديقة عامة في محلة الكص غربي المدينة والتي ازيلت فيما بعد وانشأ على ارضها بناية البلدية الجديدة، كما وحدث تطور نسبي في خدمات المدينة، فقد انتشر استعمال الكهرباء في معظم المدينة في منتصف الثلاثينيات بجلب مولدة كبيرة، وكذلك انشاء محطة صغيرة في محلة الكص لتحلية وتصفية المياه في نهاية الاربعينيات، وشيد مبنى المشروع على ضفة النهر الغربية ببعد 30م. ونفذت الحكومة في هذه المرحلة عدة مشاريع خدمية بسيطة حيث باشرت في بناء أربع أبنية مدرسية، اثنتان منها ابتدائية للبنين وأخرى للبنات في محلة الكص وثانوية بطابقين للبنين، كما قامت الحكومة في عام 1945 ببناء ناديا ترفيهيا لموظفيها غرب النهر مقابل السراي، في حين بنى بعض اثرياء المدينة دارا للعرض السينمائي الصيفي غرب المدينة في عام 1951 على طريق كربلاء بمساحة 5000 م 2 [17,p153]، واضطرت الحكومة تشييد سرايا جديدا لها بمساحة 2000 م عند مدخل شارع كربلاء مقابل الجسر الكونكريتي الجديد في نهاية الخمسينيات لتصدع وتهدم بعضاً من ابنية السراي القديم وهو يضم القائممقامية ومركز الشرطة والامن، الا انه هدم واعيد بناؤه بمواصفات حديثة بعد العام 2003 م، وشيد كذلك في هذه المرحلة محطة للوقود في شمال المدينة على النهر مباشرة من قبل احد مواطنيها، مستخدما السفن الميكانيكية التي يملكها في جلب مشتقات النفط من مستودع الهندية.

وفي الخمسينيات من القرن الماضي ازيلت جميع الابنية الحكومية والاهلية المنشأه على الشاطئ الغربي لنهر الهندية لتصدعها، وفي المقابل انشأت الحكومة مركز اطفاء الحرائق عام 1953م، عبدت ارضية السوقين والشارع الموازي لطريق كربلاء مع فروعة المتصلة بطريق كربلاء بالطابوق المرصوص والمكسو بالقير في نهاية الاربعينيات، في حين بقي الطريقان العامان المرتبطان بمدينتي كربلاء المقدسة والحلة غير معبدين حتى العام 1957، اذا اكتمل تعبيدهما فيما بعد، كما بنيت بلدية الهندية في نهاية الخمسينيات في موضع الحديقة العامة الواقعة غرب المدينة ولا تزال قائمة الى يومنا هذا. ونظرا لتوسع المدينة العمراني والاهتمام الحكومي التجاري بها، فقد شيدت الحكومة جسرا كونكريتيا عائما على نهرها بطول 174 م وعرض 13 م وتم انجازه في عام 1955 م [14,p22]، وهو مايزال قائما يربط جهتي المدينة بشارع مع مدينتي الحلة و كربلاء المقدسة، واهتمت البلدية بشوارع المدينة الحديثة الانشاء في هذه المرحلة وجعلتها ذات نمط جديد من الشوارع التي خصصت للنقل، والتي اتصفت باستقامتها واتساعها عند نمو المدينة نحو الاطراف الخارجية، وغالبا ما أقيمت أبنية بسيطة على هذه الشوارع مؤخرا كالوظيفة التجارية، وكان التطور المورفولوجي في نهاية الخمسينيات محدودا ورافقه حركة داخلية في اعادة توزيع استعمالات الارض السكنية.

fig-4.jpg
خريطة 4
المرحلة المورفولوجية الرابعة لمدينة الهندية. المصدر: الباحث بالاعتماد على الصورة الفضائية لمدينة الهندية وباستخدام برنامج ArcGIS 10

وازداد عدد نفوس المدينة خلال هذه المرحلة بسبب الزيادة الطبيعية والهجرة اليها من باقي مدن العراق مطلع الخمسينيات، اذ بلغ عدد سكان مركز قضاء الهندية 11014 نسمة في عام 1947م وارتفع عدد السكان في عام 1957 م ليصبح 14136 نسمة، نتيجة تطور الظاهرة الحضرية في نشأت ونمو التركيب الداخلي للسكان، فزادت الكثافة السكانية، فضلا عن درجة تركز الخدمات والفعاليات الاقتصادية والجتماعية وتبادل المنفعة بين سكانها والمجاورين من المدن القريبة.

المرحلة الخامسة

بدأت هذه المرحلة منذ سقوط المملكة العراقية في عام 1958 وحتى عام 2013 وفيها تأسست نواة لقيام تجمعات سكنية جديدة وابنية متطورة نسبيا في السيتينيات، نتيجة لسعي بعض افراد المدينة الميسوريين والموظفين والتجار الحديثين ان يحدثو استقلالا في العوائل الكبيرة مكونين اسر مستقلة، حيث توجب عليهم الانتقال لبناء دار حديثة في مناطق اخرى، مضيفا موضعا جديدا لتوسع المدينة [9,p84]. وفي هذه المرحلة تطورت استعمالات الأرض التجارية وأخذت بالانتشار مع زيادة المساحة التي تشغلها المدينة. فقد شهدت هذه المرحلة ظهور عدد من المحلات التجارية الممتدة على طول الشارع الرئيس للمدينة, وكما حدث تطور في استعمالات الأرض الصناعية تمثل في زيادة عدد المنشات الصناعية بعد ان كانت تقتصر على الصناعات الصغيرة مثل صناعة الدبس وصناعة القوارب أصبحت الان تتميز بوجود صناعات متنوعة منها صناعة الخشب (النجارة) والحدادة أضافه إلى صناعات الحرف اليدوية.

كما وظهرت الاهتمام في هذه المرحلة بالخدمات التعليمية والصحية، فظهرت المدارس، وتم انشاء مستشفى الهندية العام وعدد من المراكز الصحية، اضافه إلى ذلك تم إنشاء عدد من الحسينيات والجوامع من قبل اهالي المدينة توزعت في مختلف الأحياء السكنية، وكما قامت الحكومة بإنشاء بعض الخدمات الترفيهية والرياضية منها نادي الهندية الرياضي عام (1967) وعدد من المتنزهات الترويجية وتنوعت الخدمات الإدارية في هذه المرحلة وتمثلت بدائرة القائمقامية ومركز الشرطة والموارد المائية والزراعية، أما خدمات البنى الارتكازية فظهرت دائرة للكهرباء ودائرة للماء ودائرة للإطفاء ودائرة البريد والاتصالات، بالاضافة الى انشاء مصنع لصناعة السكر السائل عام (1973) على الشارع الرئيس، وهو متوقف حالياً عن العمل، وازدادت مساحة الأراضي المخصصة لأغراض النقل المتمثلة في مرائب النقل، وظهور الشوارع الجديدة، فضلا عن قيام الدولة باعمال رصف بعض هذه الشوارع بالاسفلت ومد خدمات البنى التحتية من ماء وكهرباء ومجاري واتصالات.

وفي هذه المرحلة انتهجت الدولة سياسة توزيع الاراضي على المواطنين والموظفين، فظهرت الاحياء الجديدة كحي المثنى الذي يعتبر أول حي تم انشاءه بشكل منتظم في ستينيات القرن الماضي والذي تم توزيع اراضية على شريحة المعلمين، وفي السبيعينيات ظهر حي المصطفى والمسمى ايضا بحي ابو جوعانة نسبة الى الشخص المالك للارض والتي قامت البلدية باستملاكه منه، وفي نهاية السبيعينيات تم اعداد أول مخطط أساس للمدينة المرقم (554)، وهذا المخطط مفقود ولاتوجد خريطة له عند الدوائر المختصة، وكان هذا المخطط عبارة عن تجميع للتصاميم القطاعية الموجودة في المدينة، في حين تم إعداد أول تحديث للمخطط الأساس والمرقم (554 أ) بتاريخ 31/3/1986 من قبل هيئة التخطيط العمراني دائرة تخطيط المدن، لاحظ الخريطة (5)، وتضمن هذا المخطط على عدة استعمالات (السكن المشيد، السكن المقترح، المراكز المحلية،المراكز الصحية، المراكز الثقافية، الخدمات الصناعية، المنطقة المختلطة، مناطق التشجير، المباني العامة، البساتين)، كما احتوى المخطط على المواقع المقترحة للمدارس (الابتدائية والمتوسطة والثانوية). وبعدها تم تحديث المخطط للمرة الثانية وهو المخطط المرقم (554 ب)، وهذه المخطط مفقود ايضا، وظهر في الثمانينيات احياء الجمعية والشهداء والعسكري، وفي التسعينيات تم تحديث المخطط للمرة الثالثة (المخطط موضوع الدراسة) وظهرت احياء (الحسين 1 والحسين 2 والسلام و دور الحجر).

ونتيجة لضعف الرقابة البلدية ظهرت مناطق للمتجاوزين على الاراضي التابعة الى الدولة، وقد قامت الدولة في حينها بتمليكها الى ساكينيها، الا ان مشكلة التجاوزات زادت بشكل كبير بعد عام 2003 نتيجة لعدم قدرة المواطنين على شراء الاراضي السكنية النظامية، لذا تم اللجوء الى تفتيت المناطق الزراعية الموجودة بين الاحياء السكنية وكذلك البساتين المحيطة بهذه الاحياء وتحويلها الى مناطق سكنية، بصورة عشوائية، بسبب قلة ثمنها مقارنة بالقطع النظامية، فضلا عن ضعف الجهات الرقابية لمختلف اجهزة الدولة، وعدم تمكن الدولة من ايجاد بدائل لحل مشكلة السكن، فاصبحت هذه المناطق تشكل عبئا على الاحياء السكنية النظامية، نتيجة للضغط الحاصل على خدمات هذه الاحياء، لاحظ الخريطة (6) التي تبين المرحلة المورفولوجية الخامسة لمدينة الهندية.

fig-5.jpg
خريطة 5
المصدر: الباحث بالاعتماد على الصورة الفضائية لمدينة الهندية وباستخدام برنامج ArcGIS 10.
fig-6.jpg
خريطة 6
المرحلة المورفولوجية الخامسة لمدينة الهندية. المصدر: الباحث بالاعتماد على الصورة الفضائية لمدينة الهندية وباستخدام برنامج ArcGIS 10

تحليل استعمالات الارض للمدينة

  • بلغت مساحة الاستعمال السكني ضمن المخطط الأساس المحدث لمدينة الهندية 296.67، و بلغت مساحة المشيد من الاستعمال السكني 213.82 هكتار، و يوجد عجز في حصة الفرد من الاستعمال السكني بمقدار 10.48 م2/نسمة للمخطط و 21.52 م2/نسمة للمشيد.، بلغت مساحة الاستعمال التجاري المخطط في المخطط الأساس لمدينة الهندية 17.47 هكتار، في حين بلغ المنفذ من هذا الاستعمال 19.60 هكتار، ويوجد عجز في حصة الفرد من الاستعمال التجاري بمقدار 1.67 م2/نسمة للمخطط و 1.39 للمنفذ. وبلغت المساحة المخصصة للخدمات التعليمية ضمن المخطط الأساس 19.12 هكتار، في حين بلغ المنفذ 20.25 هكتار، ويوجد عجز في عدد المدارس بمقدار 75 مدرسة لكافة المراحل وكذلك عجز في عدد البنايات بمقدار 99 بناية لكافة المراحل ايضا.

  • بلغت مساحة الاراضي المخصصة للخدمات الصحية 2.30 هكتار، بينما بلغت مساحة المنفذ من هذه الخدمات 4.52 هكتار، وكذلك يوجد عجز بمقدار 4 مراكز صحية رئيسة و 13 مركز صحي فرعي لعموم المدينة. بلغت مساحة الاراضي المخصصة للخدمات الدينية ضمن المخطط الأساس 0.46 هكتار، في حين نلاحظ زيادة في مساحة المنفذ من الابنية الدينية حيث بلغت مساحتها 1.86 هكتار، بلغت مساحة الاراضي المخصصة للخدمات الترفيهية ضمن المخطط الأساس للمدينة 57.07 هكتار، في حين بلغ المنفذ من الخدمات الترفيهية 10.28 هكتار، ويوجد عجز بمقدار 4.61 م2/ نسمة للمخطط و 10.87 م2/ نسمة للمنفذ. بلغت مساحة الاراضي المخصصة للمباني والخدمات العامة ضمن المخطط الأساس للمدينة 27.58 هكتار، وبلغ المنفذ من هذه الابنية 14.15 هكتار. وبلغت مساحة المخطط من استعمالات الارض لاغراض النقل 253.37 هكتار، في حين بلغت مساحة المنفذ من هذا الاستعمال 184.11 هكتار.

الاستنتاجات

  • إن المخطط الأساس للمدينة هو هيكل المدينة التنظيمي والمخطط الاكثر أهمية الذي يجب أن يتضمن استعمالات أرض معبره تعبيراً حقيقياً عن متطلبات الانسان خلال فترة الخطة.

  • لم يتم اعداد وتحديث المخطط الأساس لمدينة الهندية وفقا للسياقات التخطيطية المتمثلة باعداد دراسات تفصيلية للسكان واجراء المسوحات الميدانية الدقيقة ووضع الاهداف التي من اجلها تم اعداد المخطط ووضع استراتيجيات التنفيذ لتحقيق هذه الاهداف.

  • تمت عملية تغيير استعمالات الارض المختلفة في مدينة الهندية في عام 2000 تنفيذا للقرارين 117 و156، بدون عمل دراسة مسبقة، حيث تم بموجبها تحويل بعض استعمالات الارض للمباني العامة والمناطق الخضراء الى الاستعمال السكني.

  • افتقار اغلب الاحياء والمحلات السكنية في مدينة الهندية الى ملاعب وساحات للاطفال، بالرغم من وجود مناطق مخصصة لها ضمن المخطط الأساس لبعض الاحياء الا انة لم يتم تنفيذها.

  • وجود الكثير من المناطق السكنية العشوائية (بساتين مفتتة) متداخلة مع الاحياء السكنية النظامية، وتعيش هذه المناطق بصوره متطفلة على خدمات الاحياء النظامية مما يؤدي الى حدوث ضغط كبير على هذه الاحياء.

  • عدم وجود قاعدة بيانات جغرافية بنظام الـ (GIS) لاستعمالات الارض المخططة والمنفذه لمدينة الهندية، بالرغم من وجود شعبة للـ (GIS) في الدوائر التخطيطية والتنفيذية للمحافظة، إلا أنّ عملها يقتصر على سحب الصور الفضائية للمشاريع ضمن الاحياء السكنية.

  • اعتماد الدوائر التخطيطية والتنفيذية على الخرائط التقليدية القديمة التي تعود بعضها الى اوائل الثمانينات، والتي حصلت تغييرات كثيرة على هذه الخرائط في استعمالات الارض، وبعضها تعرض للتلف، الامر الذي يودي الى حصول تضارب بين هذه الخرائط.

  • عدم وجود حدود واضحة لمعظم المحلات و الاحياء السكنية لمدينة الهندية، حيث نلاحظ تداخل المحلات والاحياء السكنية مع بعضها البعض، مما ترتب على ذلك وجود خلل في تلبية احتياجات هذه المحلات و الاحياء من الخدمات المختلفة.

التوصيات

  • اعادة النظر في تقسيمات المحلات السكنية، على اسس تخطيطية وليست ادارية من خلال اتباع المبادى والمعايير التخطيطية في تحديد حدود المحلات السكنية وبما يضمن توفير الخدمات الضرورية والاساسية للسكان.

  • توزيع الخدمات المجتمعية وفقا للهرم السكاني، وقاعدة التدرج في توزيع الخدمات، أي اعتماد مبدأ التراتب الهرمي في تخطيط مراكز الخدمات ابتداءا من مركز المحلة ومركز الحي ومركز القطاع ثم مركز المدينة عن طريق أستملاك الاراضي ضمن هذه المحلات لتنفيذ الحد الادنى المقبول من الخدمات الواجب توفيرها للمحلة السكنية.

  • إيجاد نوع من التعاون بين الدوائر التخطيطية والمواطنين عن طريق عقد لقاءات ومؤتمرات تثقيفية الغرض منها توعية المواطن وتوضيح أهمية الجانب التخطيطي للمدينة، وكذلك يجب اشراك المواطنين في عمليات اعداد المخططات الاساسية للمدن وفي حالة تغيير استعمالات الارض ضمن المخطط الأساس، للتعرف على ارائهم وانطباعاتهم حول هذه المواضيع لكونها تخصهم بالدرجة الاولى، ولكون التخطيط يهدف الى تحقيق الراحة والامان والرفاهية للمواطنين من خلال خلق بيئة مريحة للعيش داخل المدن.

  • توحيد الخرائط القطاعية وخرائط الافراز للاحياء السكنية لمدينة الهندية وادخالها في قاعدة البيانات الجغرافية للمدينة، وربطها بخرائط المخطط الأساس باستخدام برامجيات نظم المعلومات الجغرافي الـ (GIS)

  • ادخال الكوادر العاملة في الدوائر التخطيطية والبلدية في دورات تخصصية للاطلاع على منهجية اعداد المخططات الاساسية للمدن والالية التي يتم بها تنفيذ هذه المخططات، وادخالهم في دورات تعليمية لبرنامج الـ (GIS)، حيث يوفر البرنامج سهولة تحديث البيانات وعرض النتائج في جداول وخرائط، الامر الذي يؤدي الى سهولة السيطرة على استعمالات الارض.

  • العمل على تفعيل القوانين وتفعيل دور الدولة في المحافظة على المدينة وعدم انتهاك مخططها وتنفيذ استعمالات أخرى تخضع لأهواء المواطنين وذلك عن طريق محاسبة المتجاوزين. رفد دوائر التخطيط والتنفيذ المسؤولة عن المخططات الاساسية للمدن بالملاكات التخطيطية.

References

1 

الاشعب, خالص حسني، "المدينة العربية", مؤسسة الخليج العربي للطباعة والنشر, الكويت, 1982.

2 

الأشعب، خالص حسني، مورفولوجية المدينة، مطبعة جامعة بغداد، سنة 1983.

3 

الاشعب، خالص حسني،" المقومات الضرورية للتصميم الاساسي "، مجلة الجمعية الجغرافية العراقية، العدد 11، ك1 1980.

4 

أمانة بغداد، نبذه عن أهداف وماهية التصميم الانمائي الشامل لمدينة بغداد، 2000.

5 

امانة بغداد،" التصميم الاساسي لمدينة بغداد "، مطبعة امانة العاصمة،1971.

6 

باقر، طه، "مقدمه في تاريخ الحضارات القديمه"، ج1،شركة التجارة والطباعة المحدوده،بغداد،1986.

7 

الجابري، مظفر علي " التخطيط الحضري "، الجزء الاول، مدخل عام، مديرية دار الكتب للطباعة والنشر، جامعة الموصل، 1986.

8 

خضر، فلاح محمود، "مدينة الهندية نشأتها وتطورها الحضري 1799 - 1920 م"، مطبعة دار الارقم، الحلة، 2007.

9 

خضر، فلاح محمود، و حمادي، عباس عبيد، "مدينة الهندية دراسة في تطورها العمراني والاجتماعي 1817 - 1958 م"، مطبعة دار الصادق، 2011.

10 

الخفاف، عبد علي, "سكان محافظة كربلاء (دراسة في جغرافية السكان) "، رسالة ماجستير مقدمة إلى جامعة بغداد, كلية الآداب, 1974.

11 

سطحية، محمد محمد، "دراسات في علم الخرائط"، دار النهضة العربية، بيروت،١٩٧٢.

12 

عبد القادر، محمد صالح،"المدخل الى التخطيط الحضري والاقليمي، كلية الاداب، جامعة البصرة،1986.

13 

عبد الله، باسم رؤوف، واخرون " مبادئ عامة في تخطيط المدينة "، وزارة البلديات، مديرية التخطيط والهندسة العامة، مطبعة دار الحرية للطباعة، 1976.

14 

العجيلي، محمد صالح، " جغرافية المدن "، مطبعة الكتاب، بغداد، 2010.

15 

العزاوي، عباس، "تاريخ العراق بين الاحتلالين"، الجزء السابع مطبعة بغداد،1935.

16 

غنيم, عثمان محمد " تخطيط استخدام الارض الريفي والحضري", دار الصفاء للنشر, ط2, عمان,, 2008.

17 

لوريمر،ج.ج.،" دليل الخليج العربي "، القسم الجغرافي،ج3،ترجمة امير مكتب قطر، الدوحه،1977.

18 

وفاء، كاظم ماضي و خضر،فلاح محمود،"مدينة الهندية النشأة التاريخية والتطور العمراني حتى عام 1958"مجلة العلوم الانسانية، كلية التربية، صفي الدين الحلي.

19 

Boycc, Ronald R. & Alan F. Williams, The Bases of Economic Geography, Clarke, Doble Brendon Ltd., London 1979.

20 

Patterson,T.William, “Land Use Planning – Techniques of Implementation",Van Nostrand Reinhold Company,New York 1979

References

1 A. Khalis, Arabian city, (Kuwait, 1982).

2 A. Khalis, City morphology, (Baghdad, 1983).

3 A. Khalis, The essential components of the basic design, (Journal of the Iraqi Geographical Society), (no. 11, 1980).

4 Baghdad Mayoralty, A description of the objectives and what the comprehensive development designs of the city of Baghdad, (2000).

5 Baghdad Mayoralty, Master plan of Baghdad city, (1971).

6 T. Baqer, Introduction to the history of ancient civilizations, (part1, 1986).

7 J. Mudhafer, Urban planning, (part 1, 1986).

8 K. Falah, Hindiyah city, its development and urban development (1799-1920), (Hilla 2007).

9 K. Falah, H. Abbass, Hindiyah city, a study in its urban and social development (1817-1958), (2011).

10 K. Ali, Karbalaa governorate residents, study in population geography, master research, (1974).

11 S. Mohamed, Studies in cartography, (Beirut, 1972).

12 A. Salih, Introduction to urban and regional planning, (1986).

13 R. Basim, General principles in city planning, (1976).

14 A. Salih, Cities geography, (Baghdad, 2010).

15 A. Abbass, History of Iraq between the occupations, (Baghdad, 1935).

16 K. Othman, Planning the use of rural and urban land, (Jordan, 2008).

17 J. loremer, Guide to Arabian gulf, (Qatar, 1977).

18 M. Wafaa, K. Falah, Hindiyah city, history and urban development until 1958.

19 B. Ronald, F. Williams, The Bases of Economic Geography, (Clarke, Doble Brendon Ltd., London 1979).

20 T. William, Land Use Planning – Techniques of Implementation, (Van Nostrand Reinhold Company, New York, 1979).

FULL TEXT

Statistics

  • Downloads 18
  • Views 718

Navigation

Refbacks



ISSN: 2518-6841