KnE Engineering | Postmodern Urban and Regional Planning in Iraq | pages: 115–129


المقدمة

يعد مفهوم التكنلوجيا من المفاهيم التي هيمنت بقيمتها التاثيرية والتغيرية العالية على كل مفاصل الحياة للعصرالتقني الجديد وتمثل انعطافة انسانية مهمة بعد ثورتي الزراعة و الصناعة. وفي ظل ارهاصات مرحلة الحداثة وما بعدها وتطوراستخدام التقنيات العلمية والانسانية بمرور الزمن، وتعقد اجهزة الاتصال وتطورها وتعدد وسائل التواصل بين البشر ودخولها الى اولويات الاستخدام البشري لارتباطها بنشاطات العمل والتجارة والحياة الاجتماعية وغيرها من الانشطة، اصبح استخدام التطبيقات الالكترونية في اجهزة الكومبيوتر والاجهزة اللوحية والخلوية عاملا من عوامل الانتقال الى مفاهيم جديدة في التواصل وتلبية الحاجات. وباتت صرعات التسوق ووسائل جذب المستهلك واغوائه من اهم البيئات التنافسية الجديدة والتي بدات بالتاثير ببعض مفاهيم الحياة الكلاسيكية السائدة وتاخذها الى بعد اخر.

وبطبيعة الحال وكون التخطيط الحضري والاقليمي - اواي عملية تخطيطية - تستهدف الاستجابة لرغبات المجتمع في تنظيم متطلبات الحياة الاجتماعية والاقتصادية والبيئية، ضمن حيز مكاني وفترة زمنية، فان وسائل التواصل هذه فرضت دفعا باتجاه استمرارية تطبيق هذه المفاهيم من عدمه وخاصة ما يتعلق منها بالمكان والاحساس به

ان اهم من ادوات التواصل التي بدات تنتشر بشكل سريع جدا في السنوات ال 20 الماضية عالميا وال 10 سنوات الاخيرة محليا، هي التسوق الالكتروني Electronic Shopping. يحاول البحث الاجابة على سؤال جوهري وهو مدى تاثر العلاقات المكانية والانسانية بمفهوم التسوق الالكتروني في ظل ازدياد هذه التطبيقات ضمن وسائل التواصل الاجتماعي ومواقع الانترنيت، وهل ينعكس هذا التاثير على اساليب واستراتيجيات التخطيط الحضري المستقبلية المتبعة وما علاقتها بتغير مفهوم المكان والاحساس به.

المشكلة والفرضية والهدف

المشكلة

هل استوعب التخطيط الحضري تاثيرادوات التواصل الحديثة لفترة ما بعد الحداثة (التسوق الالكتروني انموذجا).

الفرضية

استيعاب وفهم المتغيرات الناتجة من استعمال التكنلوجيا الحديثة يسهم في تطوير استجابة التخطيط الحضري لتعقيدات الحياة الحضرية وينتج حلولا اكثر واقعية

الهدف

التعريف باثرالتواصل التكنولوجي (التسوق الالكتروني) لفترة ما بعد الحداثة على مفاهيم التخطيط الحضري

اولا: التعريف ببعض المفاهيم المتعلقة بموضوع البحث:

فترة الحداثة و ما بعد الحداثة

يطلق مصطلح الحداثة (تورين، 1992، ص16) بوجه عام على مسيرة المجتمعات الغربية منذ عصر النهضة إلى اليوم ويغطي مختلف مظاهر الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والأدبية. لقد أدخل التقدم المستمر للعلوم والتقنيات، وثورة التكنولوجيا، إلى الحياة الاجتماعية عامل التغيير المستمر والصيرورة الدائمة التي أدت إلى انهيار المعايير والقيم الثقافية التقليدية. وفي ظل هذه الصيرورة الاجتماعية بمختلف اتجاهاتها تحدد السياق العام لمفهوم الحداثة بوصفه ممارسة اجتماعية ونمطا من الحياة يقوم على أساسي التغيير والابتكار. يعد الفيلسوف الفرنسي المعروف جان فرانسوا ليوتار Lyotard من كبار المفكرين الذين وضعوا الحداثة في قفص الاتهام وهو من أعلن نهايتها معلنا عن ميلاد عصر ما بعد الحداثة في كتابه المعروف الوضع ما بعد الحداثي La condition Postmoderne عام 1979.

ومن القضايا التي يناقشها جان فرانسوا ليوتار Jean-François Lyotard (عبد الله، 1999، ص232) في هذا الجانب إشكالية الحتمية التي يعلن سقوطها تأسيسا على تطور العلوم الطبيعية والتاريخ. فالحتمية تعلن إفلاسها أمام المستجدات العلمية الجديدة في القرن العشرين. لقد بينت الأحداث المتتابعة، على مدى القرن العشرين، أن التاريخ لا يأخذ خطا حتميا تحركه تتابعات المراحل وحتميات التتابع التاريخي الذي أنبأت عنه الماركسية وغيرها. فالتاريخ الإنساني قد يأخذ خط التقدم، ولكنه قد يتراجع وقد ينهض من جديد أو يراوح في مكانه، فلا مكان لأقدار الحتمية وأفكار الغايات التي يسعى إليها التطور في منظور الأنساق الفكرية الكبرى.

سمات ما بعد الحداثة

هدم الأنساق الفكرية (عبد الله، 1999، ص237) الجامدة والإيديولوجيات الكبرى المغلقة وتقويض أسسها؛ رفض الحتمية الطبيعية والتاريخية التي كانت سائدة في مرحلة الحداثة ولا سيما مفهوم التطور التعاقبي أو الخطي أو الزمني الذي يسجل حضوره في الأنساق الاجتماعية والحياة الاجتماعية, فكر يرفض الشمولية في التفكير ولا سيما النظريات الكبرى مثل نظرية كارل ماركس، ونظرية هيغل، ووضعية كونت، ونظرية التحليل النفسي...إلخ. ويركز على الجزئيات والرؤى المجهرية للكون والوجود؛ رفض اليقين المعرفي المطلق.

العولمة

من ارهاصات فترة ما بعد الحداثة وهو نظام عالمي يقوم على الإبداع العلمي والتطور التقني والتكنولوجي وثورة الاتصالات بحيث تزول الحدود بين شعوب بالعالم ويصبح العالم قرية كونية صغيرة. بمعنى اخر: انتشار النمط الأمريكي والغربي في العالم. يرى الباحثون ان العولمة امرا جديد، وان هناك عولمتين (قديمة وحديثة). أما القديمة:ظهرت مع الثورة الصناعية في القرن الثامن عشر عندما قامت أوروبا بالبحث عن أسواق جديدة لاستيعاب منتجات المصانع واستعمار بلاد لتأمين المواد الخام حتى تتطور صناعتها. أما العولمة الحديثة: حققتها اوروبا بغير الاحتلال العسكري عن طريق التجارة والتنافس الدولي وانتشار التكنولوجي ونمط الغربي في البلاد. لذا يرى البعض انه مفهوم هيمنة يمس الهوية والسيادة ويسخرالاموال لجهات وشركات ذات رؤوس اموال ضخمة ويضر بالاقتصادات المحلية والاقليمية.

التسوّق الالكتروني او عبر الإنترنت

مفهوم حديث ظهر مع ظهور وتطور وسائل الاتصال الحديثة وهو وجودُ مخزنٍ من المُمكن شراءُ كل شيءٍ منه بسهولة من خلال جهاز الحاسوب أو الهاتف المحمول، وغالباً يُوفّرُ أفضل أنواع المُنتجات للمُستهلكين. يُعرف التسوّق عبر الإنترنت أيضاً بأنّه البحثُ عن مُنتجٍ ما عن طريق زيارة الموقع الإلكترونيّ الخاص بالمتجرِ، ومن ثمّ إعداد طلب الشّراء للحصول على المُنتجِ المطلوب ومن التّعريفات الأُخرى للتسوّق عبر الإنترنت أنّه مجموعةٌ من عمليّات البيع والشّراء التي تشملُ على العديدِ من أنواع السّلع كالمنازل، أو الثّياب، أو السيارات، او الطعام، اوالأجهزة الإلكترونيّة، أو الإكسسوارات بأنواعها، وغيرها مِنَ المُنتجات الأُخرى من خلال تطبيقات الكترونية.

ثانيا: الجزء النظري

مقدمة

يتناول البحث هنا التعريف بالتفاعلات المكانية والاثار المترتبة على استخدام تقنيات التكنلوجيا في البيع والتواصل على البيئة الحضرية وبالتالي على التخطيط الحضري. اذ لا شك ان المكونات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية تكون الارض الخصبة لهذه التفاعلات في ما يتعلق بتغير مفهوم المكان الفيزياوي الحيزي وشيوع ما يسمى الفضاء الالكتروني.

فهناك الكثير من النشاطات الرئيسية التي تاثرت بعملية التسوق الالكتروني التي اتسعت من مفهوم الظاهرة الى مفهوم تجاري تواصلي بحت مستفيدا من التغطية المتزايدة لشبكات الهاتف وشبكات الانترنيت، حيث تشيرالإحصاءات في نهاية الربع الثالث من عام 2016 إلى وجود 1,79 مليار مستخدم “فعال ومتفاعل” شهرياً، وذلك بارتفاع نسبته 16% عن العام 2015.

لوحظ مؤخراً ازدياد عدد مستخدمي شبكات التواصل الاجتماعي الفيسبوك -الشبكة الاجتماعية الأكثر رواجاً في البلدان العربية-، وتشير الإحصاءات في بداية عام 2017 إلى وجود ما يقرب من 156 مليون مستخدم "فعال ومتفاعل" بزيادة 41 مليون مستخدم مقارنة بعام 2016. اضف الى ذلك،شيوع وانتشار التطبيقات المحفزة لاستعمال سهل ومريح بالاجهزة المكتبية واللوحية والهواتف النقالة. ولوحظ خلال السنوات الخمسة الاخيرة توسع سوق التجارة الالكترونية في العالم العربي الى 7 مليار دولار. ويتوقع الخبراء و صول حجم سوق التجارة الالكترونية في العالم العربي في عام 2020 الى 13.4 مليار دولار (حسب موقع State World Internet هو موقع متخصص في الاحصائيات المتعلقة بمستخدمي الاترنت حول العالم، يصدر تحديثا دوريا حول اعداد مستخدمي الانترنت في العالم وكذلك أعداد مستخدمي الفيسبوك واللغات الاكثر استخداما على الانترنت https://weedoo.tech/glossary/http).

fig-1.jpg
صورة 1
المصدر: https://weedoo.tech/glossary/http

تاثير التكنلوجيا التسوًقية على مفهوم الحيز المكاني والانشطة الانسانية

يمكن توضيح اهم التاثيرات الناتجة من الانتقال الى بيئة الفضاء الالكتروني عوضا عن الاستخدام الكلاسيكي الفيزياوي للحركة التفاعلية بين الانسان والمكان من خلال ثلاثة من التاثيرات الاساسية وهي: (زايد، 2003، ص146-147)

اولا: التاثير في النشاط

  • التاثير على النشاط الانساني:ويدعم فك الاختناق المكاني وامكانية التغيير في الموقع المكاني للانشطة الانسانية، اذ سهلت التكنلوجيا من امكانية تحرير النشاطات الانسانية من مقيداتها المكانية، فلم يعد اختيار الموقع والتمحيص في توقيعه بذات الاهمية التي ظهرت في عصر الصناعة وما تلاها. وبالتالي توفر فرصة مزاحمة وتنافس جديدة للشركات الصغيرة وارباب العمل للدخول الى السوق من البوابة الالكترونية الرحبة وتجاوز حالة التحديد المكاني لتقديم الخدمة.

  • التغيير في خصائص النشاطاتبالاضافة على المحدد المكاني فقد ظهر تاثير الاستخدام الالكتروني على الانشطة نفسها من خلال:

  • التاثير في ادارة النشاطفالعمل اصبح يدار بطريقة لا تستلزم فتح مكاتب وفروع تشغل حيزا مكانيا, المكاتب تدار بواسطة اجهزة حاسوب وتطبيقات مرتبطة بانظمة عرض وتحديث كامل ولحظي للبيانات المدخلة وبنوعية مدخلات ومخرجات عالية في الدقة. الامر الذي ادخل معنى اخر للادارة والتخطيط المعتمد على البيانات الرقمية واساليب العرض التقديمي الواضحة والمتطورة. وهنا اشارة الى تطور وسائل التخطيط والتحليل كون التسوق الالكتروني يعمل ضمن بيئة خزن واسترداد وتحديث البيانات.

fig-2.jpg
شكل 1
المصدر: استبيان الباحث

ثانيا: التاثير في انماط المشاريع

مما لا شك فيه ان الاستعمالات المتعددة للارض الحضرية سوف تتاثر بشكل او باخر بدخول مفهوم التسوق الالكتروني والتطبيقات التكنلوجية حيز الاستخدام والشيوع بين المستخدمين، واصبحت الاسواق المتاثرة بهذه المفاهيم متفاعلة - الى حد ما- مع هذه التطبيقات، مما ادى الى ظهور انماط متفاعلة ومتراكبة ومشتركة احيانا، هذه الانماط تشمل حدوث: (يوسف، 2003، ص 52-64)

  • تغيرات محدودة: تشمل استخدام تكنلوجيا محدودة وبميزات تنافسية وتسويقية قليلة. ربما يعود ذلك لعدم كفاية ادوات التواصل الالكتروني او ضعف الاداة التسويقية.

  • تغيرات واضحة وشاملة: وتشمل ثورة في التاسيس لادخال التكنلوجيا وتحديث الية العمل وتطوير البرامج

  • تطوير في اقسام معينة دون الاخرى من خلال استحداث البوابة الالكترونية وابقاء الاجزاء التسويقية الاخرى عاملة

  • الغاء النشاط التسويقي الكلاسيكي كليا والانتقال الى السوق الالكترونية

  • استحداث نشاط الكتروني بالكامل دون وجود موقع ارضي.

ثالثا: التاثير في استعمالات الارض

هنا نشير الى عوامل مهمة اثرت بشكل مباشر على (زايد، 2003، ص157-160):

  • التغير الحاصل في مساحات الاستعمال: حيث يؤدي استخدام التسوق الالكتروني الى تحول بعض النشاطات المكانية الى نشاطات تدار لا مكانيا من خلال التطبيقات الالكترونية وهنا يظهر بوضوح محورين اساسيين:

  • تغير مفهوم المكان من خلال الغاء تبعية محددات الموقع -بنسب وفقا للانماط المشار اليها في البحث - فالمكان هو ليس بالضرورة هذا الحيز الذي يشغل طول وعرض وارتفاع وهو ليس بالضرورة ان يكون متاثرا بمتطلبات التموقع وقربه من وسائل الانتاج والعمل ولا يشترط به الانتظام وفق المواصفات والخصائص التقليدية للاسواق. نعم في بعض الانشطة التي تمارس كلا النوعين من النشاط يحدث تمازج بين البيئة العمرانية والبيئة الالكترونية وتبقى ميزات الموقع التنافسية موجودة وماخوذة بنظر الاعتبار.وهذه ميزه اثرت في اسعار العقارات والايجارات والعرض والطلب والاذواق.

  • تغير او تلاشي مفهوم الزمن والمسافة المقطوعة (نبيل وعبد الدايم 2005): اذا اصبح التواصل والتصفح ثم اتمام عملية البيع بواسطة التطبيقات الالكترونية عاملا لاغيا للحركة التقليدية (وسائل المواصلات المختلفة) بوجود خدمات التوصيل المقدمة من اصحاب المواقع. الامر الذي يؤدى الى تقليل عدد الرحلات وتقليل الازدحامات وما يترتب عليها من تقليل في استهلاك الوقود وتقليل نسب التلوث البيئي والضوضاء وحوادث السيارات.

  • تغير مفهوم اماكن العمل واماكن السكن ليصبح اقل استقلالا عن ذي قبل. فالاعمال ممكن ان تنجز من البيت بفضل التكنلوجيا. وهذا بدوره يخلق مناخا حضريا جديدا تقل فيه خصوصية الاماكن ووظائفها لتصبح اكثر مرونة, فاصبحت الكثير من المنازل عند تصميمها يراعى فيها وجود مكتب للعمل او مساحة لطاولة وكرسي يقضي فيه الشخص ساعات طويلة يعمل في منزله على جهازه الحاسوبي او قد يستعمل البعض منزله الشخصي كموقع لتلبية طلبات الزبائن وهذه اضافة جديدة في منتطلبات الحيز المكاني للمنازل.

رأي الباحث

بالرغم من ميزات واثار كلا الاستخدامين على البيئة الحضرية ومكوناتها الاقتصادية والاجتماعية والبيئية والعمرانية، الا ان التمازج والتكامل بين المنهجين يعد حالة صحية وداعمة لمنهج تخطيطي متوازن يعتمد مخرجات التكنلوجيا ووفوراتها الموقعية والبيئية والاقتصادية وبين مواطن الشعور بالمكان والاحساس بالهوية المتمثل بالاسلوب التقليدي

ثالثاً الجزء العملي

لغرض الوقوف على حيثيات اتساع ظاهرة التسوق الالكتروني في واثره بيئة البنية الحضرية من خلال مكوناتها الرئيسية (الاقتصادية والاجتماعية والبيئية) في الحيزين المكاني والزماني المهيمنين، ارتاى الباحث عمل استبيان ومسح لمجموعة من النشاطات المستخدمة لهذه التطبيقات مؤخرا، وتبين من خلال المسح المحلي ان اكثر النشاطات تاثرا باستخدام التسوق الالكتروني او المنتشر عبر خدمات التوصيل هي خدمة تجهيز الغذاء والاكل من خلال المطاعم، وخدمة بيع الملابس وخدمة بيع مواد التجميل. النشاطات الثلاثة تخص كلا الجنسين.

شملت العينة المحلات والمطاعم (60 عينة في بغداد) التي تستقبل طلبات الكترونية وهاتفية وتم استخدام استمارة مسح تتضمن اسئلة عن زيادة نشاطهم الالكتروني في البيع خلال السنوات الماضية والحالية (من 2011 الى 2017). وبعد تحليل النتائج ظهرت النسب الاتية (نموذج استمارة المسح مرفقة.):

  • ازدادت عمليات البيع الالكتروني في المطاعم والمنتجات الغذائية بنسبة 26%

  • ازدادت عمليات البيع الالكتروني لمنتجات الالبسة بنسبة 15%

  • ازدادت عمليات البيع الالكتروني لمنتجات التجميل ومواد التجميل بنسبة 22%

هذه الزيادة في عمليات البيع الالكتروني عوضا عن البيع التقليدي كان لها اثار مهمة القت بظلالها على عملية التخطيط الحضري من خلال جملة من المتغيرات، فالعينة شملت مراكز خدمة (مطاعم، محلات البسة, محلات كوزمتك) منها ذات خبرة طويلة واسماء مشهورة لكن في نفس الوقت شملت بعض مراكز الخدمة التجارية الحديثة والتي اهتمت بموضوع البيع الالكتروني وبالرغم من امكانياتها المحدودة بالمقارنة مع مراكز الخدمة ذات التوقيع المكاني (الحيزي) المميز فقد قدمت معطيات جيدة في ازدياد نسب البيع معتمدة على النشاط الالكتروني. وهنا يظهر التاثير المكاني المتمثل بخفض اسعار الاراضي او على الاقل الحيلولة من زيادتها وتقليل الطلب عليها وبالتالي تقليل من حجم النشاطات واستعمالات الارض المرتبطة بالموقع التجاري من حركة نقل ومواصلات وتقليل الضغط على الخدمات العامة والبنى التحتية والفوقية من كهرباء وماء وشبكات مجاري وما يرتبط بها من تقليل التلوث والضوضاء.

كانت نسب الاجابات عن:

ما هو اثر تزايد البيع الالكتروني بشكل عام على

fig-3.jpg
شكل 2
المصدر: استبيان الباحث
  • توسع الحركة التجارية والنشاط التجاري اي زيادة المبيعات والربح: أ- زادت، ب- قلت، ج- لا تغيير.. في حالة الزيادة، كيف استثمرتها؟76% من العينة قالت بزيادة النشاط التجاري بشكل ملحوظ ووفقا للنسب في كل نشاط مما ادى الى زيادة الربح والمدخولات وبالتالي ساهمت هذه الزيادة حسب العينة في:وهنا يظهر باشارة واضحة الى الانماط التي تم ذكرها في الجزء النظري فتغير ادوات التسويق العمل (Business) اصبح ما بين الاستحداث والالغاء او اضافة الكترونية بسيطة او الاستثمار في كلا الاستعمالين. وهو دليل على دخول هذه السوق بقوة للمساهمة في زيادة الانتشار المكاني او الالكتروني. والجدير بالذكر ان الانتشار الالكتروني يحدث بسرعة بفعل الادوات التواصلية والتفاعلية الخارقة مقارنة بالانتشار المكاني الذي يتطلب الكثير من الاموال والموارد بالاضافة الى تاثيراته البيئية وزيادة الضغط على الموارد والخدمات.فيما اشارت 15% من العينة بان لا تغير حصل في الدخل بالرغم من من زيادة الاستخدام الالكتروني والطلبات وذلك بسبب المنافسة الشديدة وظهور اسواق منافسة في تقديم الخدمة. 9% قالو بانها قلت، لعدم خبرتهم في استخدام جيد لوسائل التواصل او لوجود منافسة قوية.

  • حركة السيارات والازدحاماتأ- زادت، ب- قلت، ج- لا تغيير..ولماذا؟51% من العينة قالت ان حركة السيارات ازدادت نتيجة للتسويق الاعلامي والذي ادى الى ازدهار الحضور الى المكان - خاصة في المطاعم والمحلات المشهورة ذات المراكز الكبيرة- او بسبب انه اذا لا يزال يرغب المستخدم في الحضور بنفسه لاختيار طلبه والاستمتاع بالتسوق التقليدي. وبالتالي الموضوع يدخل ضمن الذوق الاجتماعي والتقاليد التي يحافظ عليها البعض كالرغبة في الخروج والاستمتاع بقضاء وقت مهم مع العائلة او الاصدقاء بدلا من الطلب الجاهز.فيما اشارت 44% من العينة بان الحركة قلت نسبيا بسبب توفير تكاليف النقل من خلال خدمة التوصيل الزهيدة او المجانية. وبالتالي تقليل عدد الرحلات من والى المنطقة وما ينتج عنها من تقليل في الازدحامات والتلوث والضوضاء واستهلاك الوقود. 7% قالت لا تغيير.

  • التلوث والضوضاءأ- زادت، ب- قلت، ج- لا تغيير..ولماذا؟السؤال هنا مرتبط بالسؤال السابق حيث تزداد النسب بزيادة الحركة والرحلات بين المناطق المختلفة بعكس الترشيد الناتج من التوصيل الى المنازل واماكن الطلب. كما انه مرتبط بقرارين مهمين:الاول قرار صاحب العمل بفتح اسواق جديدة وفروع جديدة في اماكن اخرى وبالتالي سحب الحركة والرحلات باتجاه هذه المراكز عوضا عن المراكز الرئيسية المكتظة مما يسبب في تغيير مسار الرحلات وفك الاختناق والازدحام وبالتالي تقليل التلوث والضوضاء - وهو امر نسبي ايضاً لانه يفتح مداخل تلوث وضوضاء في اماكن اخرى، والثاني يخضع لقرارات- المستهلك وهو صاحب الرحلة في التوجه الى المكان بحد ذاته وطلب الخدمة او طلبها الكترونيا او هاتفيا. وبالتالي هو قرار مرتبط:فاحتلت الكلفة الناتجة من استخدام وسائل النقل للحصول على الخدمة نفسها الصدارة وهي نتيجة منطقية لحسابات الربح والخسارة بالنسبة لقرار المستهلك. فيما يعزو البعض (22%) قرار الذهاب من عدمه لمدى استهلاكه للوقت لا الكلفة واشارت نسبة (محترمة نسبيا) بعمل الرحلة لانها تلبي جانبا وجدانياً واجتماعياً واحساساً بالمكان.

  • اسعار الايجارات والعقاراتأ- زادت، ب- قلت، ج- لا تغيير..ولماذا؟

fig-4.jpg
شكل 3
المصدر: استبيان الباحث.

65% قالت باستمرار زيادة الاسعار والعقارات التجارية بالرغم من وجود نسبة مهمة من النشاط الالكتروني. 20% قالوا بانخفاض الاسعار و15 قالو بعدم وجود تغيير فعلي. والتحليل ان هذا السوق قد لا يخضع كثيرا لتاثيرات هذا النوع من النشاط كونه سوق مضطرب منذ عام 2003 بسبب عدم وجود محددات منطقية للسيطرة على الاسعار. فالزيادة غير المبررة والتراكمية على مدار السنوات ال14 الماضية لازالت مستمرة حتى يومنا الحاضر وهي بالغالب مبنية على رؤية اصحاب العقارات وسماسرة الاراضي ومكاتب البيع ولا دور للقطاع الحكومي في تشذيبها مع وجود نقص واضح في الاستثمار العقاري في هذين القطاعين. وبالتالي هي لا تزال مضطربة مع وجود نوع من الانخفاض النسبي الناتج من الركود الاقتصادي العام الذي يشهده البلد وقلة السيولة النقدية او بسبب التاثر بالوضع الامني الغير مستقر.

راي الباحث

ان الرغبة نحو التسوق الالكتروني قد تنحو باتجاه تغيير مفاهيمي في وسائل التواصل البشري، فقطع التواصل الحسي والاحساس بالمكان باتجاه البيئة الافتراضية التواصلية وهو ما بدء يشكل قلقا لدى الباحثين في الشان الاجتماعي نتيجة ازدياد التواصل اللاحسي المقترن بالكتابة او التواصل السمعي وبالتالي خلق حالة من الانطواء الاجتماعي وغياب الشعور الانساني والاتصال المقترن بالمشاعر واستشعار الذوق المكاني. وهنا يصبح غياب للمكان وبالتالي انحدار بالشعور بالانتماء للمكان وهو احد تراكمات العولمة وفترة ما بعد الحداثة التي تلقي بضلالها على احد اهم ركائز التخطيط الحضري الا وهو الهوية المكانية.

ان تكنلوجيا الاتصالات وتبادل المعلومات ببيئتهما الافتراضية والتواصلية اتاحت تقديم خدمات عن بعد Remotely وسهلت وقربت وغيرت من مفاهيم الحركة والتواصل والاحساس بالمكان، وبالرغم من الانتشار السريع لهذه التطبيقات التواصلية السهلة, يرى الباحث انها لا تزال لا تعوض الجانب العمراني الذي يملاء الفضاء والمكان الحقيقين ويوزع الاستخدامات على الارض. ان تكامل مكونات العمران ومكونات وادوات التكنلوجيا والاتصالات يمكن ان يعم بالفائدة على كلا الاتجاهين. فيزيد من استخدام وسائل التواصل لاكبر عدد من المستخدمين وفي نفس الوقت يدعم الوجود العمراني بوجود الكتروني معزز للخدمات الارضية المكانية.

الاستنتاجات العامة

  • تقدم تكنلوجيا المعلومات والاتصالات ودخول السوق الالكتروني بقوة في السنوات الاخيرة اعطى منحنى جديدا لمفاهيم المكان التقليدية ومفاهيم التخطيط الحضري الكلاسيكية وشكل تحدياً للمخططين في كيفية التعامل مع هذه المتغيرات التي منحت مفاهيم الوقت والمسافة والفضاء الافتراضي بعداً اكثر قوة وفاعلية وقدمت معطيات لمشاكل نضوب الموارد والرفاهية بالرغم من تاثيراتها الاجتماعية المثيرة للجدل.

  • لا يمكن الاستعاضة عن الحيز المكاني والسوق التقليدي بانتشار السوق الالكترونية مهما ازداد الاخير. فالبناء والعمران هما ركائز اساسية للبيئة الحضرية. ولكن يمكن استخدام التكنلوجيا بشكل عام لخدمة الحركة العمرانية وبناء ما يسمى بالبيئة التكاملية (العمرانية والتكنلوجية).

  • بيئة التواصل الالكتروني ترفع الحواجز التقليدية وتمهد نحو الية تسويقية جديدة توفر الكثير من الموارد والطاقة وتدعم الاستدامة وتقليل تغيير الاستعمالات والتجاوز على المحددات العمرانية.

  • تغير من مفهوم المكان وتقلل من الوقت والجهد لانجاز العمل وتقلل المسافات

  • تفتح افاق جديدة في الابداع وتغيير الهياكل الانتاجية والادارية وتطوير المناهج التخطيطية

الاستنتاجات (في ضوء مكونات البيئة الحضرية الاقتصادية والاجتماعية والبيئية والعمرانية)

العوامل الاقتصادية

  • ان الدفع باتجاه السوق الالكتروني، يدعم تطوير مساحة ونوعية النشاط الاقتصادي من خلال انتشار سوق الكتروني مكمل او مساوي او اكبر او اصغر من السوق التقليدي وفتح نوافذ اعمال وفروع ومراكز خدمة جديدة متجاوزة حدود التوقيع المكاني وما يرتبط به من شراء الاراضي والعقارات او ايجارها وتوفير الخدمات اللازمة لها. وهو يدفع -بثبوت العوامل الاخرى- الى ايجاد وفرة من المعروض السوقي للعقارات ويحافظ على الاسعار.

  • تاثر الاسواق التقليدية بحركة التسوق الاكتروني نتج عنه انماط متباينة للتفاعل من هذه الخدمة الجديدة تراوحت ما بين تحديث بسيط او جوهري او الغاء او استحداث تغيرات هيكلية في نمط البيع والانتقال الى بيئة الفضاء الالكتروني.

العوامل الاجتماعية

  • العامل الاجتماعي يؤثر في قرارات الرحلة الى مركز الخدمة وعوامل الكلفة والوقت تؤثر في قرارات المستخدم في عمل الرحلة. الاستمرار بخيار التسوق الالكتروني قد يمنع التواصل الحسي ويقطع الشعور بالمكان والامتداد الطبيعي للهوية المحلية ويعزز الانطوائية والتفرد وتقليل التشاركية ويدعم بيئة التواصل الافتراضي.

  • لا زال البعض - حسب المسح- يفضل التسوق التقليدي وتجاوز وفورات الوقت والكلفة والمسافة نتيجة الدافع الانساني للتمتع بالاقتراب المكاني والشعور العالي بالمكان وهي صفة المجتمعات الشرقية عامة رغم وثوب التكنلوجيا ومظاهر العولمة.

العوامل البيئية

  • انخفاض عدد الرحلات مرتبط بالجانبين (الاقتصادي والاجتماعي) فهما من يزيدان عدد الرحلات وفتح المراكز الخدمية الجديدة او نقلها. الاذواق الاجتماعية الداعمة للذهاب الحي تدعم مزيد من الرحلات وبالتالي مزيد من عوامل الحركة المصحوبة بالتلوث واستهلاك الطاقة.

  • توفر بيئة النشاط الالكتروني بيئة نظيفة وصحية وخالية من اي نشاط مستهلك للطاقة باستثناء كلف وسائل التواصل (الانترنيت والكهرباء) وهي كلف بسيطة ونقية اذا ما قورنت بمثيلاتها التقليدية.

  • فتح اسواق مكانية جديدة نتيجة الاستثمار في الانتشار الالكتروني يولد ضغطا جديدا على الخدمات وزيادة في عوامل التلوث.

العوامل العمرانية

  • الانتشار الالكتروني السهل والمرن والرخيص الكلفة يدفع باتجاه تقنين التمدد العمراني للمناطق الحضرية - خاصة التجارية منها- وبالتالي يخفف من الضغط على الخدمات وحركة النقل والمواصلات

  • فتح اسواق جديدة نتيجة لزيادة النشاط الاقتصادي مكانيا يدعم الانتشار العمراني وتطوير مواد البناء والتصاميم المعمارية

التوصيات

ماذا يترتب على المخطط الحضري نتيجة للاستعمال الالكتروني؟ على المخطط الحضري ان ياخذ بنظر الاعتبار:

  • ان التحدي هنا هو القدرة على حمل التكنلوجيا على عدم تهميش الهوية الاجتماعية والاحساس بالمكان وهو ما كان الهاجس الاكبر لمعتنقي فكر ما بعد الحداثة بعد بزوغ مفاهيم العقل والتعقل والحتمية وسلخ الانسان من مجتمعه وجانبه الوجداني لفترة الحداثة. فالتوازن الاخلاقي يجب ان يكون حاضرا ليلبي حاجة الهوية والاحساس بالمكان بالرغم من وجود تكنلوجيا العولمة.

  • ان التخطيط عامة والتخطيط الحضري خاصة حالة حية غير جامدة تحتم الاستجابة للمتغيرات الناتجة من تعقد الحياة ومتطلباتها. وبذا فان الخطط المرنة القابلة للتحوير والتغيير والتحديث تعد حالة صحية ومتوازنة مع مكونات التكنلوجيا الحديثة ومنتجات وتطبيقات فترة ما بعد الحداثة. اذن هي دعوة لتبني مناهج تخطيطية اكثر مرونة تتضمن مراجعة دورية لا ان تتجمد الخطط بقوانين يصعب تغييرها او تعديلها.

  • ان منتجات التكنلوجيا يجب ان لا تغيب عند رسم الصورة المكانية لادوات التخطيط الحضري. وهنا تتحتم اعادة صياغة بعض المفاهيم والمعايير التخطيطية لتاخذ بنظرالاعتبارالابعاد التاثيرية الحالية والمستقبلية لادوات التكنلوجيا.فعندما نقول ان التكنلوجيا التسويقية والسوقية قللت من عدد الرحلات فنحن نتحدث عن تحسب وتوقع لعدد الرحلات المتاثرة بهذه العملية في مكان وزمان معينين. وبالتالي تصبح القرارات التخطيطية القريبة والبعيدة المدى منطقية وعقلانية. وهذا التوجه هو توجه يدعم بيئة الاستدامة وحفظ الموارد من الضياع من خلال الوفرة الحاصلة في المكان والزمان وهو اهم اهداف التخطيط الحضري واالعمل دون الدخول في عشوائية الحاجة والاستهلاك غير المبرر او المدروس كما يحدث في بلداننا النامية.

  • دراسة التغيرات والاثار الناتجة على كل نوع من الاستعمالات دراسة تفصيلية وتبيان مدى تاثر المعايير التخطيطية والمفاهيم الاجتماعية والاقتصادية والبيئية والعمرانية وتاثيرات البعد المكاني نتيجة تطور الاستخدام الالكتروني في التسوق والتسويق.

References

1 

آلان تورين، نقد الحداثة، ترجمة أنور مغيت، المجلس الأعلى للثقافة، المطابع الأميرية، القاهرة 1992،

2 

عصام عبد الله، (الجذور النيتشوية لـ"ما بعد" الحداثة)، الفلسفة والعصر، العدد الأول، أكتوبر، 1999،

3 

محمد انور عبد الله زايد، تخطيط المدن في حفبة تكنلوجيا المعلومات، رسالة ماجستير، كلية الهندسة، جامعة القاهرة، 2003.

4 

وائل محمد يوسف، مستقبل العمران في عصر تكنلوجيا المعلومات، رسالة دكتوراه، كلية الهندسة، جامعة الازهر، 2003،

5 

نهى احمد نبيل، جيهان السيد عبد الدايم، مردود الثورة الرقمية على مواجهة مشكلات المناطق الحضرية مستقبلاً، المؤتمر المعماري الدولي السادس، الثورة الرقمية وتاثيرها على العمارة والعمران، قسم العمارة، جامعة اسيوط، 15-17 مارس 2005.

References

  • [1] Alan Torin, Criticism of Modernity, translated by Anwar Mughit, The Supreme Council of Culture, Amiri Press, Cairo 1992,

  • [2] Issam Abdullah, (the roots of the neo-post-modernism), Philosophy and the era, the first issue, October, 1999,

  • [3] Mohammed Anwar Abdullah Zayed, Cities Planning in Information Technology Era, Master Thesis, Faculty of Engineering, Cairo University, 2003.

  • [4] Wael Mohammed Yousif, Future of Urbanization in the Age of Information Technology, Ph.D., Faculty of Engineering, Al-Azhar University, 2003,

  • [5] Noha Ahmed Nabil, Jihan Abdel-Dayem, The Return of the Digital Revolution to Facing the Problems of Urban Areas in the Future, 6th International Architectural Conference, The Digital Revolution and its Impact on Architecture, Department of Architecture, Assiut University, 15-17 March 2005.

FULL TEXT

Statistics

  • Downloads 18
  • Views 752

Navigation

Refbacks



ISSN: 2518-6841