KnE Engineering | Postmodern Urban and Regional Planning in Iraq | pages: 103–114


مشكلة البحث: صيغت المشكلة البحثية وفق التساؤل الآتي:

ما هي نماذج التنظيم المكاني في ظل ظروف التقدم التكنولوجي والمعلوماتي؟ وما هي موجبات التغير والانتقال في توزيع عناصر التنظيم المكاني الناجم عن فلسفة المكان في ظل معطيات التقدم التكنولوجي؟

هدف البحث:

يهدف البحث إلى إجراء دراسة مفاهيمية واستعراض للأطروحات التخطيطية في ظل التقدم التكنولوجية والمعلوماتية وتأثير ذلك في تنظيم عناصر الهيكل المكاني للتوصل إلى فهم عام عن خصائصه وعلاقاته ووظائف عناصره ضمن الصيغة البنيوية للمكان وبما يضفي خصائص جديدة لكينونة المكان والخروج بدليل تخطيطي للتعامل مع النماذج الجديدة للتنظيم المكاني.

فرضية البحث:

تغيرت نماذج التنظيم المكاني واتخذت أنماطا وعلاقات ووظائف جديدة فتغير التوزيع المكاني لعناصر الهيكل الحضري بشكل ينسجم مع معطيات التقدم التكنولوجي والمعلوماتية.

منهجية البحث:

يعتمد البحث منهجاً علميا استقرائيا قائماً على الوصف والمقارنة لوصف الظاهرة واستعراض مفاهيمها واستخلاص المؤشرات العلمية المطلوبة.

1. التنظيم المكاني Spatial Organization (عرض مفاهيمي)

يمثل مفهوم التنظيم المكاني من أهم الموضوعات العلمية في علوم التخطيط العمراني، ويقصد به التوزيع المكاني للعناصر والأنشطة والفعاليات بما يتناسب والظروف والموارد الطبيعية والاجتماعية والاقتصادية والديموغرافية ومواقع المراكز وأجزائها وأحيائها السكنية بما يلبي حاجات السكان من الخدمات كما ونوعًا وبما يحقق وضع أفضل لوظائف العناصر والارتقاء بها بهدف تحسين مستوى معيشة السكان وتقليل الفجوة في مستويات الحياة بين المدن والأرياف، وتحقيق أكبر منافع اقتصادية واجتماعية ممكنة ضمن مبادئ تخطيطية تعتمد على أطروحات علمية مختلفة بحسب الظرف الزماني والمكاني.

ان مفهوم التنظيم المكاني (Spatial Organization) لم يكن يشار اله ضمن حدود معرفية محددة فقد تعدد مستويات المفهوم لتسير باتجاهين، الأول ينظر إلى التنظيم المكاني بوصفه توزيعا مكانياً للظواهر ضمن الهيكل المكاني، وهذا الطرح غالباً ما يستند عليه مخططو المدن والمهندسون المعماريون،في حين يذهب الاتجاه الثاني إلى ربط مفهوم التنظيم المكاني بترتيب وتوزيع المستقرات على المستوى الحضرى الأوسع او على المستوى المكاني الاشمل ليدخل المفهوم بين جدليتين مفاهيميتين بحسب نظرة الباحث والأفكار التي يروم دراستها وتحليلها على المستوى المكاني.

اما على المستوى الزماني فقد مر مفهوم التنظيم المكاني (Spatial Organization) بأطروحات وآراء فكرية عديدة اذ جيء بأطروحات مابعد الحداثة كرد فعل لموجات الحداثة كون الاخيرة تهتم بالأمور الكلية في حين ذهبت مابعد الحداثة إلى النظرة النسبية والجزئية في التعامل مع الظواهر المختلفة، ولقد خاض الكثير من الباحثين في هذه المفاهيم ومنذ زمن ليس بالقريب فيعتبر المعماري الانكليزي توم تورنر (Tom Turner) (توم تورنر (Tom Turner): باحث ومهندس بريطاني وأستاذ في جامعة كرينتش البريطانية صاحب الكتاب الشهير: (City as Landscape: A Post-postmodern View of Design and Planning) والذي ألفه في العام 1996) اول من ادخل مفاهيم مابعد الحداثة في مواجهة المسائل المستعصية في علوم التخطيط المكاني والتي عجزت نماذج الحداثة عن الإجابة عليها وتفسيرها.

ان الذهاب نحو نماذج مابعد الحداثة لمن يكن بديلاً وحلاً بحد ذاته بل وصف بثورة فكرية وسلوكية شملت جوانب الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والبيئية عموما (Turner,1996,p11).

فتخطيط الهيكل المكاني لم يكن منهجاً فكرياً يتعامل مع المكان فحسب بل أصبح يمثل انعكاساً للقيم والأخلاقيات والنظم الاجتماعية والشكلية المقيدة ضمن نماذج الحداثة او مايعرف بالتخطيط الشمولي والهرمي في حين نجد إن مضامين آراء مابعد الحداثة تطرقت الى فهم مغاير للتخطيط المكاني، فمثلاً كان التخطيط الحديث يشجع على الفصل المكاني بين الوظائف الاجتماعية وعناصر الهيكل المكاني في حين تتطلع أطروحات مابعد الحداثة الى دمج العناصر المنفصلة سابقاً. (Bárbara,2014,p5)

ان التحول في الفكر التخطيطي الذي يتعامل مع التوزيع المكاني كان استجابة لمتطلبات تكنولوجية وتقنية واعتبارات تتعلق بالاستدامة ونماذج مكانية صديقة للبيئة وتحقيق جودة الحياة وجعل الهيكل المكاني أكثر ملائمة للعيش والاستقرار، فبعدما كانت المدن تخطط على أساس مركزية توزيع الفعاليات أصبحت الآن في ضوء نماذج مابعد الحداثة مفرغة المركز ومنتشرة العناصر المكانية وأصبح مركز المدينة يعج بالمتاحف ومراكز الترفيه والفنادق بالإضافة إلى المركز التاريخي وهي عوامل تشجع السياحة والجذب فيما كان نصيب السكن هو الابتعاد عن المركز باتجاه الإطراف ذات الكثافات العمرانية الأقل. (Gottdiener,2005,p10)

لذا نقول هنا إن التنظيم المكاني لم يكن كقالب جامد وثابت عبر الزمن كون ظواهر التنظيم مرنة وتتسم بالديناميكية بحسب مرونة مكونات الظاهرة المكانية وتوزيعاتها لتعطي شكلاً وصورة عن نمط التوزيع المكاني اعتمادا على فلسفة وجود وكينونة العناصر المكانية، فمثلا تميل عناصر الظهير (Hinter Land) للتجمع في أنظمة مركزية موقعة على نحو يسمح بسهولة الوصول اليها، كالخدمات الإدارية ومواقع بعض الصناعات في حين تنتشر بعض الفعاليات والأنشطة بشكل عقدي او بؤري وقد تتجمع وتأخذ شكلاً متجمعا لتؤدي وظائفها على نحو كفء بما يسمح قيام علاقات وروابط مكانية ملائمة وأنظمة مواصلات لتكون محاور مكانية بعينها.

وتختلف أنماط التوزيع المكاني معتمدة بذلك على عوامل عديدة طبيعية تعتمد على متغيرات البيئة الطبيعية التي تنبع من صميم الواقع البيئي الطبيعي واقتصادية تعتمد على درجة النمو الاقتصادي ومتطلبات التنمية واجتماعية كالعلاقات المكانية الاجتماعية والحاجة للخدمات المجتمعية وغيرها على الصعيد التقليدي وكذلك عوامل تكنولوجية وتقنية على الصعيد الحديث ومابعد الحديث لتكون صورة التوزيع المكاني للعناصر متباينة فقد تأخذ نمطاً متجمعاً على نحو مركزي مع وجود نواة للمدينة، اذ يتخذ الهيكل نمطاً على شكل تجمعات منتظمة أو غير منتظمة،يتسم بتقارب العناصر المكانية من بعضها،وقد تتخذ شكلا آخر طويلاً لتشكل محاور على امتداد الظواهر الطولية وقد تتخذ نمطاً شبكياً تتوزع عناصر التنظيم المكاني بشكل منظم، وتكون قريبة من بعضها وبمسافات مناسبة ومتساوية تقريباً وتتخذ شكلاً يكون اقرب إلى متوازي الأضلاع، وتنتشر هذه الشبكة بشكل متساوٍ ومتكافئ في الهيكل المكاني، لتضفي طابع التشابك لتؤدي وظائف معينة مرجوة من هذا التوزيع المكاني.انظر الشكل (1)

fig-1.jpg
شكل 1
أشكال تنظيم عناصر الهيكل المكاني. المصدر: الباحث

ولم يحتفظ التنظيم المكاني على نمط توزيع معين فحدثت تغييرات على صعيد المكان وتغيرت العوامل والمكونات بفعل ديناميكية الأنظمة المكانية التي تستجب لتغييرات طبيعية وديموغرافية واقتصادية وبيئية وتكنولوجية فكانت هنالك أنماط أخرى للتنظيم المكاني تتسم بسمات جديدة ومغايرة في نمط توزيعها المكاني عما كان سائدا في ظل أطروحات الحداثة وما قبلها.

2. المدينة الذكية وموجبات الانتقال نحو الإذكاء

ان مفهوم وتعريفات المدينة ارتبط بشكل واسع بهيكل المكان فضلاً عن مكوناته المادية كالبنى التحتية والمباني والشوارع واستعمالات الأرض من جهة وبالوظيفية المتمثلة بالعلاقات بين عناصره ومكوناته، فهو مصطلح متعدد يشمل الابعاد الجغرافية والاقتصادية والديموغرافية والسياسية والحجم المادي للهيكل المكاني بكل مكوناته. (H. Taubenböck, 2008, p2).

أخذت المدن بالتطور فتحولت بعض البنى المكانية للمدن من شكل الى آخر وتغيرت وظائفها أيضا استجابة لعوامل اجتماعية ديموغرافية وتكنولوجية واقتصادية وبيئية وغيرها، ويقول الخبير الاقتصادي ديميتروفسكا (Dimitrovska Andrews) ما نصه " التغيرات الحالية نحو العولمة وتركيز فرص العمل في قطاع الخدمات، وتزايد الوعي بالجودة البيئية، والتنمية المستدامة من ناحية، والتحول الاجتماعي-الاقتصادي و التغيرات في استخدام الأراضي و التحضر وتطور نظم النقل من ناحية أخرى كلها عوامل ترتبط و تؤثر في التغيرات الداخلية المكانية والمادية في بنية المدن، والأكثر وضوحاً في المدن الكبرى والعواصم". (Dimitrovska, 2002,p393)

إن التركيز على ربط العولمة والاتمتة والمعلوماتية بمستقبل التنظيم المكاني للمدن لم يكن محض صدفة وإنما كان نتيجة لحالة حتمية تشكلت استجابة لتعقيد الحياة في المجتمع الحضري والى تطور المؤسسات الاجتماعية والاقتصادية وغيرها من النواحي الكمية والنوعية وما ينجم عليه من اتساع المساحة التنظيمية للمدن نتيجة للامتداد الأفقي والرأسي للخدمات من اجل تلبية حاجة السكان المتزايدة مثل المساكن والطرق والخدمات وغيرها وبالتالي إحداث تغير دراماتيكي على صعيد التنظيم المكاني الحضري وصولا إلى إحداث تغيرات وظيفية (Functional changes) نتيجة تغير استعمالات الأرض الحضرية وعناصر المدينة الاخرى ونشوء علاقات مكانية ووظائف جديدة.

وتعرف المدن الذكية على انها المدينة القائمة على استخدام المعلومات وتكنولوجيات الاتصالات (ICT) لتكون أكثر ذكاء وكفاءة في استخدام الموارد، مما يحقق وفورات الحجم والطاقة و تحسين تقديم الخدمات ونوعية الحياة وانخفاض البصمة البيئية و دعم الابتكار والاقتصاد الذكي. (Seven,2013,p13)

ويعرف الاتحاد الدولي للاتصالات السلكية واللاسلكية (International Telecommunication) المدن الذكية على أنها مدينة مستدامة ذكية وهي مدينة مبتكرة تستند على أساس المستوى الذي تستخدم فيه تكنولوجيا المعلومات والاتصالات وغيرها من الوسائل لتحسين نوعية الحياة، وزيادة الكفاءة العملية للخدمات والوظائف وإمكانية المدينة وقدرتها على المنافسة، مع ضمان أن تلبي احتياجات الأجيال الحاضرة والمقبلة فيما يتعلق بالجوانب الاقتصادية والجوانب والبيئية. (ITU.2014)

ويقترن اصطلاح المدن الذكية في بناء المدن الجديدة وإدارة خدماتها من بنى تحتية مختلفة ومواصلات واتصالات و استخدام التكنولوجية و التقنيات لإدارة مؤسسات المدينة من خلال تطبيق طرق ووسائل ذكية بحسب الأوضاع الآنية والاحتياجات.

وترتبط المدن الذكية بمكونات قيامها فهي لا تبتعد كلياً عن مكونات أي مدينة تقليدية أخرى وإنما تختلف جزئيا نتيجة اختلاف بعض المكونات والعلاقات بين هذه المكونات والعلاقات وإذا مانظرنا إلى مكونات المدينة الذكية نجدها متعددة قائمة على الأهداف المرجوة من عملية الإذكاء فضلا عن السكان كمكون أساسي إضافة الى الأنظمة الايكولوجية (Ecosystems) والأنظمة والقوانين التنموية والعناصر والكيانات المتمثلة بالأنشطة والفعاليات والوظائف والخدمات والبنى التحتية لتشكل بمجموع هذه العناصر المتفاعلة أنظمة غنية غاية في التعقيد.

ويشار أيضا إلى مفهوم المشاركة والتمكين كمفهوم ملازم للإذكاء ونجد بعض الآراء التي تؤكد على فكرة المشاركة (Link Sharing) أو إشراك المواطن في تخطيط مشرعات كبيرة في المدينة. (Belissent,2015)، وبذلك أصبحت مرتكزات إذكاء المدينة قائمة على أساس استخدام التكنولوجية في إضفاء طابع جديد من علاقات المدينة ووظائفها وبين المشاركة والتمكين لعنصر السكان عبر توظيف المتغيرات التكنولوجية في المشاركة والمساهمة في الإدارة وصنع القرار.

3. العوامل التكنولوجية وأثرها في تنظيم عناصر المدينة

تسعى الإدارات الحضرية على المستوى المحلي الجزئي والإدارات العليا على المستوى الكلي الوصول باتجاه تحقيق الاستدامة من خلال توظيف مجموعة أساليب وأدوات تمكن وتسهل الانتقال إلى الوضع المستدام واثر ذلك في تحسين نوعية الحياة والمشاركة والتمكين من خلال توظيف امثل للمسائل التكنولوجية والتقنية في المدينة، فموجبات الانتقال للوضع الذكي ومنه إلى المستدام تحتم اللجوء إلى المجتمع الذكي والصحة الذكية والنقل الذكي والحكومة الذكية وخدمات البنى التحتية الذكية والتي تستند بمجملها إلى اعتماد التكنولوجية في عمل هذه الخدمات وبالتالي ستكون هنالك أنماط تنظيم مكاني لهذه العناصر تبدو مختلفة عن النماذج المكانية السابقة في ضوء محدودية العوامل التكنولوجية آنذاك.

أثرت عوامل التكنولوجيا في عناصر المدينة فأصبح التنظيم لعناصر الهيكل الحضري ترتبط وفق علاقات الكترونية قوية، فعلى سبيل المثال تأثر عناصر نظام النقل وتغيرها نظراً لتغير الحاجة لها واختلاف حجم الطلب كون الكثير من المهام قد تحولت اعتمادا على التكنولوجيا سيما إجراء المعاملات المصرفية على الإنترنت وإرسال رسائل البريد الإلكتروني والتحقق من معلومات الطيران ومرافق الرعاية الصحية العاجلة وغيرها. (Barki,1994,p65)

فالتنظيم المكاني للمدينة الذكية كان نتاج اللجوء إلى تكنولوجيات الطاقة الأنظف ونماذج النقل الجديدة وأنواع جديدة من نظم المياه والابتكار في تشييد المباني وصناعة نظيفة وصغيرة الحجم ومجردة من الشروط الموقعية الكلاسيكية. (Marx,2016)

وهنا سيتم التعرف على عناصر الهيكل المكاني وتنظيمها الجديد فضلاً عن التغيرات المكانية التي طرأت عليها بفعل عوامل التقدم التكنولوجي.

أولا:التنظيم المكاني للعناصر الصناعية (Industrial activities)

تعتمد الأنشطة الصناعية في توقيعها سابقا على المتطلبات الموقعية المتمثلة في الموارد والطاقة والعمالة والسوق إضافة إلى مبدأ سهولة الوصول المرتبط بعنصر النقل والحركة، أما في ظل أطروحات الإذكاء فأن عمليات التصنيع اعتمدت شروطا أخرى واستبعدت بعض الشروط التقليدية مثلاً اعتماد التسويق الالكتروني للمنتجات (التسوق عن بعد) وكذلك مكنت التكنولوجيا الحديثة من الاستعاضة عن إعداد كبيرة من العاملين وقلت الحاجة من المساحة المخصصة للأنشطة الصناعية في المدينة والاستغناء عن المكننة الكبيرة ووفرت نظم النقل الذكي (IT) مرونة في نقل البضائع ودعم التصنيع،فلم تحتكر الصناعة مواقعا لها في مراكز المدن الغنية بالوفورات الاقتصادية (Scale of economies) او مواقعا بعيدة من المدينة لتحجيم التلوث الذي يستهدف المناطق المخصصة للسكن ولم تعد المواقع القريبة من الأسواق محط أنظار الصناعة الذكية لتتخذ مواقع أخرى منتشرة في حيز المدينة ولتصبح اقل تلوثا بفضل التقنيات والحلول التكنولوجية، على سبيل المثال أصبحت الطاقة المتولدة من النفايات كافية لتشغيل المصانع في الوقت الحاضر بينما لم تعد هذه الخاصية موجودة في السابق.

ثانياً: التنظيم المكاني لمناطق التسوق والتجارة

مكنت عوامل التكنولوجيا من التسوق الالكتروني عبر الانترنت وأصبح الزبون بإمكانه الاستعاضة عن الاتصال المادي المباشر بالمحال التجارية ومواقع بيع السلع والخدمات مستعينا بالاتصالات والتبضع عبر الانترنت، فقد أشارت إحدى الدراسات الى ان 7 من كل 10 بلجيكين يستخدمون التسوق الالكتروني بدلا من التسوق التقليدي (للمزيد انظر http://www.nearshop.net/en/smart-cities-e-commerce). وفي هذه الحالة أصبحت الحاجة للمتطلبات الموقعية في القرب من التجمعات السكنية ذات تأثير ضعيف قياسا فيما سبق بفعل عوامل التكنولوجيا والمعلوماتية.

ثالثاً: التنظيم المكاني لعناصر النقل

اعتمدت الكثير من المدن الذكية حول العالم نمط النقل الذكي او مايعرف (Smart Transportation) نظراً لحجم الوفورات والآثار الايجابية لهذا النمط، فالنقل الذكي يؤثر ايجابية على البيئة ويقلل آثار التلوث الناجم من الازدحام فضلا عن ذلك تقليل كلف النقل والحركة وتتعدد إجراءات أنظمة النقل الذكية من ناحية استخدام العناصر التكنولوجية والتقنيات في التواصل بين المستفيدين والمؤسسات المعنية فضلا عن التقنيات الالكترونية الخاصة بالإشارات الضوئية في التقاطعات لتنظيم الحركة وتقليل الازدحام وكذلك اعتماد مبدأ النقل العام والتشجيع على حركة المشاة والدراجات الهوائية من خلال اقتراح مسارات خاصة بذلك وهذا اثر على كمية المساحات المطلوبة للطرق والشوارع ومستويات تدرجاتها وقلل الحاجة لمواقف السيارة كما ونوعاً واثر في الكثافات المرورية في المدينة.

رابعاً:التنظيم المكاني لخدمات البنى الارتكازية

أثرت العوامل التكنولوجية كثيرا على خدمات البنى التحتية فمثلا استطاعت النظم الرقمية من الإدارة الذكية لخدمات المياه ومراقبة التسربات والتشخيص الدقيق لمواقع الخلل لإغراض الصيانة فضلا عن المقاييس الذكية وهنالك إجراءات أخرى تمثلت بتقنيات الحصاد والمياه المنتجة من معالجة مياه الصرف الصحي مما ولد علاقة مكانية بين مواقع محطات معالجة الصرف الصحي وبين مواقع محطات تحلية وتنقية المياه ضمن حيز المدينة.

وتتنوع الوسائل التكنولوجيا لتدخل هذه المرة في تدوير النفايات واستغلالها لإغراض الطاقة فأصبحت مواقع تدوير النفايات بفعل تقنيات الإذكاء سبب لتجمع بعض الصناعات والخدمات للاستفادة من مخرجاتها كمدخلات في عملية التصنيع والإنتاج لمصادر الطاقة المختلفة وهذه الميزة لمن تكن تؤخذ في الحسبان ضمن شروط التوقيع المكاني اذ كان ينظر فقط للآثار البيئية فحسب.

خامساً: تنظيم خدمات الإسكان

عند دراسة التنظيم المكاني لمواقع السكن لابد من فهم الاعتبارات والمتطلبات التي يجب توفرها ومنها الاقتصادية والطبيعية والاجتماعية والبيئية فبفضل عوامل التقدم التكنولوجي أصبح من السهل تشييد مجمعات السكن في المواقع الوعرة والمرتفعة ومناطق الوديان والمنخفضات ومواقع الميول الهندسي بعد إجراء معالجات تقنية فأصبحت هذه المواقع التي كانت مستبعدة من حسابات الإدارات أكثر ملائمة للسكن والاستقرار بل أنها قد توفر مزايا بيئية ايجابية للسكان فأصبحت أكثر مرغوبية من المناطق المستوية وبالإمكان بفعل التكنولوجية إيصال خدمات الطرق والإنفاق والجسور فضلا عن مصادر الطاقة البديلة والخدمات التحتية الأخرى.

ومثال على ذلك ما أنجزته اليابان في استغلال ما يقرب من 75% من مساحات جبال (مينياما) لاغراض تشييد المجمعات السكنية (Maki,2012). انظر الشكل (3)

ايضاً شجع التقدم التكنولوجي على اعتماد انماط سكنية جديدة من حيث التقنية ومواد البناء وأساليب التشييد مما اثر على الكثافات السكانية والإسكانية في الهيكل المكاني وانعكس على شكل التنظيم المكاني.

fig-2.jpg
شكل 2
يوضح صورة لمجمع (مياواكي) السكني في سفوح جبال اليابان. Reference: Maki, Norio, Saigai no J u¯ takushi [Housing Monograph of Natural Disaster], Tokyo: Kajima Shuppannkai, 2012.

4. التكنولوجيا وأثرها في تحول التنظيم المكاني: نماذج مكانية منتخبة

اثر استخدام التكنولوجيا بشكل كبير على تحول التنظيم المكاني (Transformation of Spatial Organization) من نماذج مكانية معروفة ونمطية إلى نماذج مكانية مختلفة بفعل تأثيرين الأول في إمكانية استخدام تقنيات الحاسوب في تخطيط وتصميم الكتل الفيزيائية والمساحات الخضراء والمناظر الطبيعية، والثاني من خلال التوسع في مركز المدينة او مايعرف بـ(CBD) ليحتضن مجموعات جديدة من التكنولوجيا المكثفة والقائمة على المعرفة والابتكار مثل ميلان،برشلونة وأثينا والتي تحولت مراكزها لتتخذ هوية مغايره بعد توظيفها للعناصر التكنولوجية والابتكار لقيادة التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

ويمكن اجمال بعض النماذج المكانية للمدن الحديثة على صعيد التنظيم المكاني للعناصر وكما يلي:

اولاً: نموذج المدن الجذابة عن طريق تصميم الكتل واعادة ترتيبها هندسياً لتفضي رمزية معينة متصلة مباشرة مع الإنجازات التكنولوجية الجديدة لمواجهة التحديات الاقتصادية، يتم تصميم المباني الجذابة مثل (المعارض الدولية، المنتدى الثقافي الدولي،الألعاب الأولمبية) وغيرها للحصول على شهرة دولية من خلالها.ويمكن أن يكون ذلك عن طريق الترويج للمباني والإصلاحات الحضرية التي تم تصميمها لهذه الأحداث. وهم في محاولة لإنشاء مدينة جذابة. والهدف هو إنشاء رمز مدينة وجذب أكبر عدد من الزوار والسياح.على سبيل المثال في مركز العاصمة ميلانو، هناك أشكال معمارية مبتكرة في مواقع مختلفة، مثل مشروع (City Life) الذي صممته المعمارية زها حديد، شكل (3)

fig-3.jpg
شكل 3
مشروع ((City Life في ميلانو. Referance: Antigone Katsara," The Impacts of New Technologies on Urban Transformations, Discussion Paper Series, 14(20): 369-380, University of Thessaly, Volos, Greece

ثانيا: نموذج أثينا و خلال دورة الألعاب الأولمبية لعام 2004 الذي صممه المهندس المعماري (سانتياغو) كانت صورة التنظيم المكاني للمدينة تتخذ شكلاً آخر من خلال اعتماد مايعرف بالمورفولوجيا المبتكرة (Innovative Morphology) تمثلت هذه الفكرة في ابراز المدينة برمزية معينة ليتم ترتيب المساحات المفتوحة الأخرى العامة في المراكز المحيطة استنادا الى محورية الفعالية الرياضية، شكل (4)

fig-4.jpg
شكل 4
نموذج أثينا وشكل التنظيم المكاني. Referance: Antigone Katsara," The Impacts of New Technologies on Urban Transformations, Discussion Paper Series, 14(20): 369-380, University of Thessaly, Volos, Greece.

وكانت ذات الأفكار ايضاً في برشلونة، من ناحية أخرى، تجمع المباني الحديثة والمساحات المفتوحة في المراكز الحضرية مثل حديقة (Diagonal del Mar) الذي صممه إريك سراب، وغيرها.وقد صممت شبكة الأماكن العامة المفتوحة في برشلونة وفق شبكة تتكون من الحدائق والساحات الصغيرة في المدينة التاريخية، وشوارع المشاة وحتى فتح الأماكن العامة أمام المكتبات والمتاحف.

ان اعتماد التكنولوجية في التصميم المعماري أضفى خصوصية كبيرة لشكل التنظيم المكاني والترتيب الفضائي للكتل فأصبحت المراكز تتخذ هوية مختلفة من خلال موقع وصورة كتله بنائية معينة تكون اكثر تأثيرا على محيطها المكاني وبالتالي تعمل على تحقيق نمط جديد من التنظيم على مستوى الفعاليات الحضرية فعلى مدى السنوات الماضية شهد العالم نهضة أساسية بأهمية العمارة والتخطيط الحضري والتركيز على أهمية إدراج الأشكال المعمارية المبتكرة في المكان الحضري. وفي بعض الحالات، كان لها تأثير مباشر بإحياء المدن والمستقرات التابعة ليس فقط من الجانب الثقافي وانما أيضا على الصعيد الاقتصادي.

ثالثاً: نموذج الجز الحضرية (Urban Islands) وتشكل هذه المجموعات جزر الحضرية، تقع في وسط المدينة، وهي جزء من (منطقة الأعمال المركزية) تتكون من التكنولوجيا الكثيفة والشركات القائمة على المعرفة والمؤسسات التي تقدم خدمات تكنولوجية عالية المستوى.

وعلاوة على ذلك، تشمل الاستخدامات والأنشطة التكميلية، كالمساكن التجارية المحلات التجارية التي تروج للأزياء والمطاعم باهظة الثمن. (Gospodini,2005, p.311)

هذا النموذج للتنظيم المكاني أدى إلى ممارسة عمليات طرد للأنشطة الصناعية القديمة والحرفية والتي كانت غالبا ما تمثل العنصر المهم في (منطقة الأعمال المركزية) واستبدالها بأنشطة ذات تفوق تكنولوجي تميل إلى التخصص الوظيفي على سبيل المثال أنشطة إعلامية وازياء وصناعات الكترونية دقيقة وغيرها.

رابعاً: نموذج المركز الشبكي والتكنولوجي وهو نموذج قائم على تكتل الفعاليات ذات الوظائف المماثلة بغية الحصول على وفورات تكنولوجية كشبكات الربط السلكي والانترنت والعمالة الذكية المشتركة والابتكار وغيرها وهي بدورها تتكتل مكانيا في مواضع الانشطة الصناعية المهجورة والفعاليات قليلة الاستخدام للأدوات التكنولوجية.

5. الاستنتاجات (Conclusion)

  • اولاً: إن التحول في الفكر التخطيطي الذي يتعامل مع التوزيع المكاني كان استجابة لمتطلبات تكنولوجية وتقنية واعتبارات تتعلق بالاستدامة ونماذج مكانية صديقة للبيئة وتحقيق جودة الحياة وجعل الهيكل المكاني أكثر ملائمة للعيش والاستقرار.

  • ثانياً:ترتكز المدينة الذكية على مرتكزين الأول هو المفتاح المتمثل بإيقونة التقدم التكنولوجي والمعلوماتي في ظل العولمة والثاني في أسلوب المشاركة والتمكين للمجتمع الذكي.

  • ثالثاً: عمليات التصنيع اعتمدت شروطا أخرى واستبعدت بعض الشروط التقليدية و مكنت التكنولوجيا الحديثة من الاستعاضة عن إعداد كبيرة من العاملين فلم تحتكر الصناعة مواقعاً لها في مراكز المدن الغنية بالوفورات الاقتصادية (Scale of economies) فتغيرت أنماط التوزيع المكاني للأنشطة الصناعية بموجب التقدم التكنولوجي.

  • رابعاً:الرغبة والميول في استخدام التسوق الالكتروني بدلا من التسوق التقليدي قلل من الحاجة للمتطلبات الموقعية لمواقع التسوق واثر ذلك في شكل التنظيم المكاني للعناصر الاقتصادية والسكان.

  • خامساً:مكنت التكنولوجيا المتقدمة من الإيتاء بنماذج مكانية جديدة للإسكان ونظم النقل واعتماد أساليب مختلفة وشجعت أيضا على استغلال مساحات لإغراض التوسع لم تكن ضمن خيارات المخطط في وقت سابق وهذا انعكس على التنظيم المكاني للعناصر السكنية والحركة والخدمات فضلاً عن تغير الكثافات ومستويات التدرج الهرمي للخدمات.

  • سادساً: تغير التنظيم المكاني بفعل عوامل التكنولوجيا وكان سبب للاتيان بنماذج تنظيم مكاني جديد كالمدينة جذابة والمورفولوجيا المبتكرة ونموذج الجز الحضرية (Urban Islands) وغيرها.

6. التوصيات والمقترحات (recommendation)

  • اولاً:ضرورة فهم معطيات التقدم التكنولوجي والمعلوماتي في المدينة للوعي بالتغييرات المكانية الملازمة له وأهمية ذلك بالنسبة للإدارات الحضرية وخططها وبرامجها التنموية وفق متطلبات التنظيم المكاني الجديد.

  • ثانياً:توظيف الوفورات التكنولوجية والمعلوماتية في اختصار الجهد والكلف والوقت والمساحات لكثير من الخدمات والتعامل مع هذه المتغيرات وفق الأولوية في التنفيذ مع مراعاة إجراء التوزيع المكاني المناسب لنوع الخدمة لتحقيق منافع اكبر وتقليل الكلف الممكنة.

  • ثالثاً:إعادة النظر في مواقع بعض العناصر المكانية في المدينة وضرورة توزيعها مكانياً بالشكل الذي يلبي تحقيق وظائفها وتكامل علاقاتها المكانية لتؤدي الغاية المرجوة منها.

  • رابعاً:دعم المشاركة والتمكين والعمل على تحقيق مبدأ المجتمع الذكي وذلك للسيطرة على حركة السكان ونموهم وكثافاتهم فضلاً عن سهولة توفير احتياجاتهم والتواصل معهم للتعرف على مشكلاتهم وطموحاتهم ورغباتهم في شكل تنظيم مدينتهم وفق اعتبارات التقدم التكنولوجي.

  • خامساً: ضرورة إجراء الدراسات المستقبلية التي من شأنها التنبؤ بشكل نموذج التنظيم المكاني في ظل التقدم التكنولوجي وإمكانية السيطرة على التغيرات التي تحدث في مراكز المدن خصوصا من خلال الفهم المسبق لنماذج التنظيم المكاني الجديد.

References

1 

Tom Turner," City as Landscape: A Post-postmodern View of Design and Planning", Cambridge Rare Books, United Kingdom,1996.

2 

Gottdiener, Mark, and Budd, " Leslie. Key concepts in urban studies", Wiltshire: SAGE, 2005.

3 

H. Taubenböck, "Urban structure analysis of mega city Mexico City using multi-sensoral remote sensing data", German Remote Sensing Data Center (DFD),2008.

4 

Andrews, Dimitrovska," Changes in the Spatial Structure of Central and Eastern European Cities", Department of Spatial Planing and Architecture, London university,2002.

5 

Rick Robinson," Seven steps to a Smarter City; and the imperative for taking them", The Urban Technologist magazine, London,2013.

6 

International Telecommunication Union, 2014, Smart sustainable cities: An analysis of definitions, Focus Group Technical Report, available at http://www.itu.int/en/ITU-T/focusgroups/ssc/Pages/default.aspx.

7 

J Belissent," Smart cities: A coming of age", presented at the CSTD intersessional panel, 2015.

8 

Hartwick, J. & Barki, H., " Explaining the Role of User Participation in Information System Use". Management Science, (4),1994.

9 

Peter Marx, Chief Technology Officer, City of Los Angeles, personal communication, January, 2016.

10 

Maki, Norio, Saigai no Jūtakushi "Housing Monograph of Natural Disaster", Tokyo: Kajima Shuppannkai, 2012.

11 

Antigone Katsara," The Impacts of New Technologies on Urban Transformations, Discussion Paper Series, 14(20): 369-380, University of Thessaly, Volos, Greece.2014.

12 

GOSPODINI, A, Portraying, Classifying and Understanding the emerging New Landscapes in the Postmodern City, in Cities, Vol. 23(5),2005.

ملاحظة:

المصادر رتبت بحسب تسلسل ورودها في البحث.

FULL TEXT

Statistics

  • Downloads 18
  • Views 932

Navigation

Refbacks



ISSN: 2518-6841